عقوق العشاق

موقع سورس التطبيقات مدونة التقنية والتطبيقات

الفصل الأول

¤¤¤¤¤¤¤

 

كانت جالسة أمام ماكينة الحياكة  تضع لمساتها الأخيرة،  فستان جديد و عمل جديد، تحاول أن تتخلص من هذا العمل و لكن على ما يبدو أن العمل لا يريد التخلص منها،  غدًا اول أيام الشهر الفضيل تريد أن تبتاع احتياجاتها قبل حلول الغسق نظرت إلى الساعة المعلقة على الحائط ثم

عادت ببصرها  إلى الماكينة،   انتهت منه اخيرًا

وقفت من خلف منضدة الماكينة، ثم قامت بتبديل ملابسها،  نظرت لصورتها المنعكسة في المرآة،  لاحت إبتسامة خفيفة على ثغرها،  وصل إلى مسامعها صوت والدها الذي نفذ صبره،  تنهدت بضيق  وهي تحدث نفسهابضجر تعيد كلمات والدها التي حفظتها عن ظهر قلب

- تعالي يا مهدية بلال ابن عمك جه

 

اتجهت إلى خزانة الملابس و بدلت الرادء بآخر من تصميمها يتميز بالبساطة،  ثم جذبت الثوب ووضعته في الحقيبة الجلدية،  و خرجت أخيرًا من كهفها  ابتسمت بسماجة وقالت

- نعم يا بابا

 

لكزها بعكازها في كتفها و قال بغيظٍ

- ما لسه بدري يا اختي الواد معدته نشفت من شرب الشاي

- ايوة يعني اعمل إيه ؟  ما المطبخ اهو يدخل يعمل اللي يعجبه

- عيب يا مهدية ابنك ضيف عندنا

 

نظرت " مهدية " له  وقالت بإبتسامة مزيفة

- أنت ضيف عندنا  ؟

 

اجابها بإبتسامة سمجة ردًا على إبتسامتها

- ضيف إيه دا بيتي

- طب الحمد لله ادخل و اطبخ بقى عشان أنا مش فاضية سلام

 

استوقفها والدها بصوته العالِ قائلًا

- بت يا مهدية خُدي هنا

 

زفرت "مهدية " بحنق  و هي رافعة بصرها لسقف الردهة، نفذ صبرها من تحكمات أبيها التي تحدث شهريًا بسبب ذاك المتطفل،  استدارت بجسدها كله  قائلة بغيظٍ مكتوم

- نعم يا بابا نعم يا حبيبي خير ؟!

- ادخلي حضري الغدا عشان بلال يتغدا معانا قبل ما تنزلي

- لأ ياعمي أنا مستعجل خليها مرة تانية

 

غادرت " مهدية " قبل أن يناديها والدها مرةً أخرى

لحق بها " بلال"  و حاول اقناعها بأن يكون سائقها الخاص لكنها رفضت،  أشارت إلى سيارة أجرة وقبل أن تلج قبض على ذراعها وقال من بين أسنانه

- والله لو ما ركبتِ العربية لا بهدلك  واقلب الدنيا على دماغ

- اموت واعرف أنت عاوز مني إيه يا بارد يا اخي خلي عندك دم أنا مبكلمش و لا عاوزة اصلا اتكلم معاك

- مش ها كرر كلامي تاني يا مهدية

- قلت لأ

 

رد السائق  بنفذ صبر و هو يتابع الموقف من البداية و لم يعقب عليه لكنه قرر أن يُنهي هذا الجدال .

- ما تخلصنا يا استاذ و سبها تركب

 

رد " بلال"  وهو يميل بجذعه العلوي قليلًا قائلًا

-  اطلع أنت هي هتركب معايا

-  و أنت مالك يا بارد أنا مش عاوزة اركب معاك

 

لم ينتظر ردها جرها خلفه حاولت أن توقفه لكنه لا يبالي،  قام بفتح باب السيارة دفعها للداخل ثم سار تجاه مقعد القيادة، جلس و تنفس بعمق محاولًا كتم غضبه الشديد، فرغ فاها لتتحدث قاطعها قائلا بحدة وصرامة

- اقسم بالله لو سمعت صوتك لاعرفك إن الله حق إيه مالك في إيه ؟

- مافيش

- مالك ؟

-  مافيش

- مهدية يا حبيبتي للمرة التالتة والأخيرة عشان المرارة بقت على آخرها مالك ؟

-  قلت لك مافيش

 

هدر " بلال" بصوته الجهوري قائلا بنفاذ صبر

- مهـــد يـــة قلت لك مالك ؟!

- مالي حاضر ها قل لك مالي بقالك شهر مختفي  كل ما اتصل عليك مشغول يا مهدية ها كلمك مرة تانية يا مهدية سلام دلوقتي يا مهدية،  و يوم ما تظهر  تظهر لي بعد ماخلصت الفستان  و بكل البرود اللي في الدنيا تقولي وحش مكشوف يا مهدية  دي بدلة رقص مش فستان خطوبة

 

ختمت حديثها الغاضب وهي تقترب من أذنه قائلة

بغيظٍ شديد

- عرفت بقى مالي

 

رفع " بلال" ذراعيه ليحمي وجهه من لكماتها التي لم تترك قيد أنملة في جسده إلا و طالته يدها رد بنبرة متعجبة و هو ينظر لها بدهشة وذهول شديدان

- يخربيتك كل دا في قلبك من ناحيتي

 

على الجانب الآخر و تحديدًا في منزل " مالك" كانت " ملك "  تتدور حول نفسها، سعادة الدنيا لا تكفي  اليوم هو يوم حصادها،  " غفران " و هدية الله لها كانت تناجي ربها ليلًا نهارًا،  نظرت في ساعة يدها شهقت صوتٍ عالِ  قائلة

- يا خبر غفران زمانه جاي

 

طرقات خفيفة قبل أن تأذن لـ أبيها الثاني أن يلج

ولج "عابد" و على ثغره إبتسامة  خفيفة،  هرولت تجاه  احتضنته  ثم طبعت على خديه قبلاتها الهادئة و قالت بمشاكسة

- دقنك طويلة يا دوك إيه هتقابل العريس كدا ؟

 

تنحنح  وحاول أن يستجمع شجاعته و هو يحدثها  بهدوء

- ملوكة عاوز  اقل لك حاجة

-  حاجة إيه بس دا أنا اللي عاوزة اقل لك حاجة مهمة بابا

-  ماله ؟

-  من امبارح مش في البيت و لا راضي يرد عليا ولا مامي أنا خايفة يتأخر على غفران

 

احتضن " عابد" كف " ملك" بين كفيه و قال بخفوت

- منك لله يا مالك سبت لي مهمة صعبة

 

عقدت "ملك " مابين حاجيبها نظرت لعمها وقالت بتساؤل

- عمو في حاجة ؟ مهمة إيه اللي صعبة اللي بابا سابها لك ؟

 

رفع " عابد" بصره وقال بسرعة وبدون مقدمات وهو ينظر في عين ابنة اخيه

- ملك غفران مش هايجي عشان هو مش عاوز يخطبك اصلا الموضوع كله كان سوء تفاهم من البداية

 

نزعت " ملك " يدها من بين كفيه و قالت بغصة في حلقها

- إيه الكلام الفارغ دا يا عمو   أنت بتقول  ايه

 

بلع " عابد " لعابه بصعوبة بالغة،  وقف عن حافة الفراش، وقف مقابلتها وقال بأسف

- غفران النهاردا خطوبته على وصال اخت بلال وغفران كان جاي يطلب لك لـ بلال كان جاي يقلنا على اساس إننا نفكر بس

 

قاطعته بغضبٍ  مكتوم قائلة

- بس إيه، إيه التهريج دا غفران بيحبني أنا مش وصال دا تلاقي تخطيط اللي اسمها مهدية عشان كنت عاوزة اخد منها الفستان بالعافية

 

تابعت بمرارة وهي تتجه نحو ردائها الأسود وقالت من بين دموعها

- لو عاوزة الفستان دا كمان تاخده لكن متاخدش مني غفران قل لها كدا ياعمو عرفها إني مش مسامحها ابدًا لو فرقت بيني وبينه

- حق الله يتقال يابنتي ابوكِ هو اللي فهم الموضوع غلط وأنا اللي لفت نظره للموضوع  لكن أنتِ مش في دماغ  غفران اصلا !!

- اصلا !!!

- طب ازاي وهو قال إنه عاوز  بابا يكون سبب إن فرحته تكمل ؟

- كان يقصد بيها إن بلال يخطب في نفس اليوم  ابوكِ عارف بقال اسبوعين بس مش قادر يتكلم معاكِ  وساب لي أنا المهمة دي أنا آسف يا ملك مكنتش حابب اعرفك حاجة زي كدا بس هو قدرك ولازم ترضي بي

 

هوت " ملك " على حافة الفراش و تركت لدموعها العنان،  اقترب منها عمها وضع يده على كتفها وقال بحنو وحب

- ملك أنتِ كويسة ؟

 

بلعت مرارة حلقها وهي تنظر له  بأعين مليئة بالدموع أومأ برأسها علامة الإيجاب و قالت بصوتٍ بالكاد أن يكون مسموعًا

- كويسة

 

غادر دون أن يضيف لحديثها كلمة واحدة لم يعد يتحمل رؤيتها هكذا، كان السبب في تدمير سعادتها من وجهة نظره، أما هي تكورت حول نفسها وتركت دموعها تنساب على خديها

حتى يرتوي .

 

                   **********

 

على سلالم الدرج كان يجلس " بيجاد" ممد ساقيه فوق بعضهما البعض على الجدار، يحدث " صبا" عن احلامه القادمة معها، كانت الإبتسامة لاتفارق شفتاها، ظلت تحدثه عن يومها، حياتها،  وكل ما مر في خلال العام الماضي تنهد بعمقٍ وهو ينظر لسقف البيت ويقول بنفاذ صبر

- نفسي اغمض عين وافتح عين والاقي نفسي اتخرجت واتعينت عشان اتقدم لك رسمي

- على الدبل دي مش رسمي يعني ؟

- رسمي وكل حاجة بس عاوز خطوة جديدة بقى عاوزك تبقي حرم حضرة الظابط بيجاد مالك المحمدي

- أنا كمان يا بيجاد نفسي اشوف اليوم دا اوي

-  بقولك إيه

- إيه ؟

- إيه رأيك نخلي الفرحة فرحتين  ويوم تخرجي هو يوم فرحنا

 

رفعت " صبا " كتفيها وقالت بحزن

- بابا مش هيرضى

- ليه بقى ؟

- أنت عارف بابا هايقعد يقول لأ اشتغل واثبت نفسك الأول  انت شايف ابوك اتجوز عنده كام سنة  لسه العمر قدامك وبلا بلا بلا

 

ختمت حديثها قائلة بضيق

- وبيني وبينك  البيت عندنا مش مستحمل

- ليه ؟

- بابا ورُبى واقعين مع واقعة جامدة ومبيكلموش بعض

- ازاي وهي معاكم هنا

- ماهي دي مشكلة من ضمن المشاكل

- أنا مش فاهم حاجة

- بابا مش عاوز يكمل جوازة رُبى دلوقتي وهي راسها والف سيف  تتجوز

 

سألها " بيجاد" بنبرة ساخرة

- ايوة هاتمشي كلامهاعليه ولا إيه مش فاهم ؟

 

كادت أن ترد عليه  لكنها قفزت فجاة ما أن رأت عمتها " مليكة "  احتضنتها بقوة و نثرت قبلاتها على خديها،  ابتسمت عمتها إبتسامة شديدة التكلف،  وقف " بيجاد"  وعانق عمته

سألها عن سبب حزنها فقالت بكذب

- مافيش حاجة يا حبيبي قل لي فين ابوك وعمك ؟

 

أجابها وهو يشير بيدها للأعلى

-  عمو فوق مع ملك و بابا

 

قاطعه والده وهو يقف خلف شقيقته وقال بهدوء

- أنا جيت

 

رد " عابد" وهو يهبط سلالم الدرج وقال بهدوء حد الاستفزاز

- وأنا اهو

 

نظرت لهما وقالت من بين دموعها بقهرٍ وحزن

- حسبي الله ونعم الوكيل فيكم إنتوا رجالة إنتوا روحوا منكم لله

 

يتبع

الفصل الثاني

¤¤¤¤¤¤¤

 

اقترب منها " مالك " و عانقها بادلته ذات العناق، انتحبت داخل صدره،  ربت على ظهرها محاولًا تخفيف حزنها، ترك لعيناه العنان سقطت دموعه لاول مرة منذ مدة ليست بالقصيرة، ظل يخفي سوء التفاهم حتى تضخمت الأزمة، هبط " عابد"

سلالم الدرج بخطواتٍ ثابتة، تجاوز ابنته التي تقف جوار حبيبها تخفف عنه همه،  وقف مقابلة أخته سحبها من حضن " مالك " اعتذر لها وهو يطبع قبلة حانية فوق رأسها،  تعالت شهقاتها ونحيبها عاتبته علي ما فعله بابنة أخيه، لم يعترض على حديثها لم يكلف نفسه يبرر لها ما حدث فضل الصمت منذ صباح اليوم وهو يشعر بتعبٍ وإجهاد ولكنه يتحامل على نفسه ليمر اليوم،  من البداية وهو يعرف أن المواجهة هي أفضل طرق العلاج حذر " مالك" كثيرًا عن هذه الخطوة لكنه لايبالي

تركه وسط المعركة و فر هاربًا، نظر " بيجاد" لبيبته نظرة حزنٍ و قهر،  مسدت على كتفه والإبتسامة لا تفارق شفتاها،  انضم لعناق عمته محدثًا إياها كلماتٍ مرحة عله تبتسم وسط حزنها

- خلاص يا عمتو بكرا تفرحي بيا لو حابة دلوقتي ماعنديش مانع اقنعي عمي وبابا وأنا موافق

 

لكزته في كتفه بخفة هي تكفكفت دموعها وقالت بنبرة متحشرجة ممزوج بشبح إبتسامة

- طول عمرك استغلالي زي ابوك  عاوز تخطف البت وتجري

 

ردت " صبا " مؤيدة لحديث عمتها قائلة بإبتسامة عريضة

- الحمد لله إن في حد نصرني قولي لي يا عمتو احسن خلاص حاسة اني بكلم نفسي .

- الله الله شوف ازاي يعني بقت أنا دلوقت الوحش الاستغلالي اللي عاوز اخفطك واجري مش عمي اللي بيجي كل سنتين تلاتة مرة ؟

 

فرغ"عابد"  فاه  ليتحدث لكن قاطعه " نوح" وهو يقف على اعتاب شقة جدته مناديًا بصوتٍ مرتفع

- يلا يا جماعة ستي كلت دماغي

 

صعد الجميع وبدأ يتبادلون أطراف الحديث حول ما حدث، سرد " عابد" ما قاله لابنة أخيه ليته لم يحدثهم ليته لم يسرد لهم من البداية، واكتفى بالصمت،  اعترض " مالك " على حديثه وصفه بالإهانة لكرامتها،  ايدته " مليكة " لكنها لم تخبر أحدًا بهذا حتى لا تزداد الامور بين اشقائها تعقيدًا

ثار " مالك" لكرامة ابنته ندم أنه وضعها في موقفًا كهذا،  ظل " عابد" يستمع إليه دون ان يعقب على حديثه بكلمة واحدة

- أنت غلطان يا عابد مكنش لازم تجبها لها بالطريقة دي ابدا

- دلوقتي بقت أنا الغلطان يا مالك ؟ مش قلت لك قلها انت و تريحني من الموضوع دا

حصل بس انا متوقعتش ابدا انك تجرح بنتي بالاسلوب دا أنت دمرتها هي لو بنتك كنت قبلت عليها كلام زي دا

 

وقفت "رُبى "  عن الأريكة متجه نحو عمها لتجلس جواره قائلة بهدوء حد الاستفزاز

-عمو بعد أذن حضرتك أنا بنته اهو ومش معبرني  بابا بقى غريب لا عاوز يسمع لحد ولا يبسط حد

عاوزني قعدة جنبه وعاوز صبا جنبه بردو بحجة إن بيجاد لسه طالب في كلية الشرطة  متخيل هايعمل ايه مع ملك اللي هي اصلا بنت اخو

 

رُبى عيب كدا

 

قالتها " مليكة "  مقاطعة تلك المجذوبة التي تجاوزت الحدود و تتطاولت على أبيها و اتهمته بالغيرة والحقد ردت " رُبى"  بنبرة مغتاظة وهي تقف عن المعقد المجاور لمعقد عمها وقالت بصوتها المرتفع

- لأ مش عيب يا عمتو العيب إنكم كلكم مغمضين عينكم عن الحقيقة وبتكبروا في بابا و هو مش شايف مصلحة حد غير نفسه و بس

 

رد " نوح " بنبرة لا تقل حدة وغيظ عن نبرتها وقال ساخرًا

-  و عمي مصلحته إيه بقى  يارُبى هانم  غيران مثلا ؟

-نوح أنت بالذات  متتدخلش في اللي ملكش في

- لا ليا و لو مش عجبك غوري من هنا خالص

- أنت قليل الأدب

- وأنتِ عاوزة كسـ ر  رقبتك

 

رد " مالك " مقاطعًا هذه المشدة الكلامية التي نشبت بينهما،  لكنه تفاجئ بردك فعل ابنه وهو يقول بحدة

-نوح بس كفاية

-لأ مش كفاية كلكم خلاص بقيتوا جلادين من غير ما تفكروا عمي عمل كدا ليه. ؟  عمي همل كدا وقل اقطـ ع عرق و اسيح دمه يعني انا اوجع بنتي مرة بدل ما تتوجع هي الف مرة

وبردو مكنتش هتتجوز غفران انا بالنسبة لك يا ست رُبى هانم  الدلوعة حيلة مامي اللي بيخاف على ضوافره تتكسـ ر دا مش راجل اصلا فهو لو راجل صحيح مايحطش خطيبته ف وش المدفع و يقولها حلي لي مشاكلي يا بيبي

فاهمتي يا بيبي

 

ختم حديثه قائلا بإبتسامة مزيفة قائلا

- بلاش تستغلي الظروف لمصلحتك  وخلي الننوس حيلة بابا وماما يبقى راجل ويظهر مرة

 

تتدخل " بيجاد" بينها وبين أخيه محتضن " نوح"

هامسًا بجانب أذنه قائلا

- لم الدور عمي مش متحمل

 

كاد أن يكمل حديثه لكنها فجأته بضحكتها الساخرة وهي ترد غيبة خطيبها مخاولة كتم غيظها الشديد منه

- و أنت بقى المحامي اللي بابا أجره لي ولا ليك مصلحة ماهو محدش في البيت بيدافع لبابا كدا غير لما ياخد منه اللي يقدر عليه يعني خيره عليكم ليكم حق تتدافعوا لـ ولي النعم  آآه

 

ختمت حديثها متأواهة على إثر صفعة مدوية أتت من والدها لتهشم كبريائها  وقضى على ما تبقى من كرامتها،  احتقنت الدماء في عروقها،  كاد أن يجزم أن وصل إلى مسامعه صوت سحق أسنانها من فرط غيظها، دبت قدماها أرضًا ثم غادرت المكان دون أن ترد على إهانتها تلك .

 

تفرقت العائلة لعدة ساعات قبل تناول وجبة السحور الأولى في الشهر الفضيل، كل هذا علمت به " وتين "  فور وصولها من بيت والديها برفقة ابنها الأكبر " تيم" ترك والده و ذهب لجدته ليعرف ما حدث لوالده بعد أن رفضت والدته تحكي له وبررت له أن الوضع طبيعي .

طرق باب الحجرة ثم ولج، طبع على يدها قبلة ناعمة وجلس على حافة الفراش متسائلا بفضول

- هو بابا ماله يا تيتا؟

- ماله يا حبيبي ؟

- زعلان و قافل على نفسه ولما ماما دخلت خرجت وشها متغير ومرضتش تقول

 

استمعت " ولاء" لحديث حفيدها وعلمت أن ابنها وزوجته لم يخبران ابنهما ما حدث خوفًا من ردة فعله، فقررت أن تشارك معهم هذة الاكذوبة ليمر اليوم الذي لايريد أن يمر

- تلاقي مضايق بس عشان السجاير من الصبح عاوز يشرب واحنا مقفلين عليه وتلاقي امك اخدت اللي في النصيب زي كل مرة

 

لم يرتاح " تيم " لهذه العبارة يشعر بالكذب في كل حرف من حروفها،  حاول أن يرسم إبتسامة شديدة التكلف على شفتاه، تركها مع ابن عمه يتحدثان حول تفاصيل اليوم، عاد إلى شقتهم  يبحث عن أخته كانت " صبا " واقفة أمام الموقد تُعد قدحًا من القهوة،  ولج بندفاع وقال

- فين رُبى يا صبا ؟

 

اتسعت عيناها ما إن وصل إلى مسامعها صوت اخيها الغاضب، تنحنحت  وهي تستدار بجسدها كله قائلة

- أنا رُبى صبا هي اللي خرجت تشتري حاجات من الصيدلية

 

سألها بنبرة غاضبة

- ناوي تبطلي اللي بتعملي دا إمتى يا ست هانم البيه خطيبك ماشي مع كل واحدة شوية وأنتِ منكدة علينا و

 

قاطعته " صبا" محاولة تقمص دور اختها بالوصف الدقيق،  حذرت أخيها وتحدثت كما تفعل " رُبى"

لم يشك اخيها لحظةً واحدة في أنها " صبا"  وليست " رُبى"  لم تكن مرتها الأولى التي تتقمص دورها لتنجدها من مأزق ولن تكون الأخيرة .

فهي تشوبها حد التطابق،  غادر المطبخ بعد مشاجرة طويلة نشبت بينهما كالعادة،  ولجت " "رُبى"   وقبل أن تستفسر اخبرتها وهي تنظر لها قائلة

- تعالي يا ست صبا شوفي البيه اخوكِ بيقول ايه

 

ولاها ظهره متسائلا بحدة قائلا

- كنتِ فين يا هانم

 

نظرت " رُبى" لها فتمتمت قائلة من بين شفتاها بهمس

- في الصيدلية

 

ردت بسرعة ما إن جمعت حروف كلماتها،  كادت أن يُكمل تساؤلاته لكنه لبى نداء والده مسرعًا،  اقتربت منها وقالت غيظٍ شديد

- كنتِ فين هو أنا كل مرة هاشيل مصايبك

- معلش يا صولا أنتِ أختي وتوأمي و حياتي كلها

- يا سلام ولما نتكشف بقى هاجيب منين

- ياستي متخافيش محدش يقدر يكشفنا طول ما احنا في ضهر بعض

 

ردت " صبا " وهي تربت على صدرها قائلة بتوسل

- عشان خاطري يا رُبى وحياتي عندك بلاش نكد بكرا اول يوم رمضان ادخلي قولي لبابا كل سنة وأنت طيب خلينا نستقبل رمضان بخير

 

ردت باسمة قائلة

- حاضر يا صولا ماهو ماينفعش اعمل غير كدا اصلا

 

تناولت منها القهوة وولجت غرفة والديها،  وضعتها على سطح  المنضدة الزجاجية،  سألها " عابد"  وهو ينفث سحابة دخان كثيفة رغم أنف الجميع

- متخليش رُبى تنام من غير سحور ولو مش عاوزة تتسحر معانا دخلي لها الاكل في الأوضة

 

لا تنكر مدى سعادتها بحديثه واهتمامه بها،  جلست على ركبتيها و تناول منه لفافة التبغ ثم قالت بسعادة

- دا أنا يزيدني شرف إني اقعد على السفرة جنب الدكتور العظيم عابد المحمدي

 

تبدلت ملامحه ما إن علم أنها تلك المحتالة وليست تلك المسكينة التي تتدفع ثمن اخطائها، مازال لا يعرفهم جيدًا مازال يتخبط في التفرقة بينهم،  اختضن خديه بين كفيها ثم طبعت قبلة عميقة طويلة، حاول التخلص منها لكنها لا تبالي لهذه المحالاوت البائسة الفاشلة،  تركته أخيرًا وهي تقول بصوتها الحاني

- كل سنة وحبيبي وكبيرنا منور حياتنا ورمضان كريم والسنة الجاية نقولك يا حاج عابد مش يا دكتور

 

ابتسم رغم عنه فطرته واشتياقه لهذا العناق والقليل من القبلات التي حرمته منها، اشتاق لها واشتاق لحديثها اشتاق أن يدللها يصفف لها خصلات شعرها الطويل،  يشكلها على هيئة جدائل

اشتاق لكل كان يفعله لها،  تحسس خدها الأيمن وقال بحنو وحب

- و أنتِ طيبة يا ابوكِ

 

عادت تفعل معه ما فعلته منذ قليل ولكن هذه المرة ابتعد وهو يقول بجدية مصطنعة

- امك ها تفتكرني متجوز عليها

- والله يا دوك تبقى مفاجأة الموسم وياسلام بقى لما يبقى لي اخ يطلع عين سي تيم دا أنا أول واحدة ها قل لك مبروك مبروك ياحياة قلبي مبروك

 

تعالت الضحكات وتبدل الحزن لفرح في ثوانٍ معدودة،  خرجت " وتين " على إثر ضحكاتهم ظنت إن الماثلة أمامها هي "صبا"  وليست " رُبى"

جففت يدها في المنشفة وقالت

- صولا خلي رُبى تقعد عشان تتسحر ولو مرضتش تيجي دخلي الأكل و

 

قاطعتها صوت ضحكاتهم، تركت المنشفة من يدها وتسألت بنبرة متعجبة

- بتضحكوا على إيه ضحكوني معاكم احسن قربت انسى الضحك شكله إيه ؟

- عشان دي رُبى مش صبا

- لأ بقى أنا كل ما اخفظكم ارجع اتلغبط فيكم تاني

- معلش يا مامي اصل إحنا بنحب الاختلاف والتجديد

- عارف  جدك ريان وعمي عدنان الله يرحمه كانوا كدا كانوا يعملوا مصايب الدنيا كلها وكل واحد يرمي على التاني التهمة

- وجدو ريان كان بيضرب

- جدك كان يعمل كل مصيبة والتانية ويخرج منها زي الشعرة من العجينة تقريبا زي كدا اللي كان بياخد على عينه عمي واللي تقريبا كدا زي صبا

 

داعب رأس ابنته وهو يقف عن المقعد،  وقال بجدية محاولا إخفاء تعبه

- أنا هاروح اشوف ستك عشان بعتت لي من شوية

 

تابع بتحذير واضح قائلا

- شوية كدا وهانتجمع كلنا عندها ملكيش دعوة بنوح خالص اعملي نفسك مش شايفاه خلينا نعدي الشهر دا على

- حاضر بس خلي هو كمان ملوش دعوة بيا

- حاضر

 

ترك " وتين " تحدثها بعقلانية تخبرها عن تجارب الحياة التي عاشتها قبل وبعد الزواج من والدها، نظرت " رُبى" لوالدتها وقالت بحزن دفين

- أنا كمان ببقى زعلانة اني بكلم بابا كدا أوا بحبه وهو مابيحبنيش

- هاتي لي واحد كدا مابيحبش ولاده ؟

- بابا

-يا مفترية بقى بابا مش طيب ولا بيحبك

- مين قال كدا بابا حنية الدنيا كلها في وبيحب كل الناس إلا أنا

 

رفعت ذقنها لتتقابل نظراتها الحزينة بأخرى ذاهلة متسائلة بنبرة حائرة

- ليه ياحبيبتي بتقولي كدا، بابا عمره ما فرق بينك وبين اخواتك وكلكم عنده نفس الغلاوة والمعزة،  يمكن بيحبك أنتِ اكتر كمان

- اومال لو. بيكرهني كان عمل إيه يا ماما

- مالك يا حبيبتي احكي لي إيه اللي تعبك من بابا ؟

- كل ما اقل له رامي عاوز نقدم معاد الفرح يقولي لأ ودلوقت سايب نوح يبهدل فيا وفي رامي وبيتريقوا عليه ودايما مقللين منه ليه كلكم شايفينه وحش،  مع انه بيعمل المستحيل عشان يثبت لكم إنه كويس ويستحقني

 

استمعت "  وتين " لابنتها حتى انتهت من سرد حكايتها القت كل ما يجيش في صدرها،  بدأت تلتقط طرف الخيط بينها وبين زوجها تلك الحلقة المفقودة التي تسببت في تلك الفجوة،  ربتت على ظهر يدها وقالت بهدوء شديد

- يمكن معاكِ حق في شوية حاجات بس بردو في حاجات كتير أنتِ مش صح فيها، التسرع في قرار مصيري زي دا لازم التأني في ويا حبيبتي أنتِ لسه صغيرة دا أنتِ عندك عشرين  سنة مستعجلة ليه ؟ وبعدين متزعليش مني أنا ماما ومش هضرك بس رامي عاوز يتجوز ازاي وهو مأخدتش خطوة في اللي قال عليه لحد دلوقت فضل يزن على الخطوبة وعملنها وكتب الكتاب وحصل وقال إنه هيستعجل عشان يخلص الفيلا

 

تابعت ببساطة شديدة

- ياستي مش عاوزين فيلا كفاية شقة زي ما كلنا اتجوزنا عندك بابا مثلا أول ما اتجوزنا اخدنا شقة إيجار بعدها رجعنا عملنا شقة هنا

وعندك جدو ريان اول ما اتجوز اتجوز في شقة رغم إن عنده فيلا بتاعت العيلة لكن تيتا نادية الله يرحمها كانت مصممة إن بنتها تتجوز بعيد عن بيت العيلة والمشاكل

 

ردت " رُبى" بفضول والإبتسامة لا تفارق شفتاها قائلة

- وهو عمل إيه ؟

- وافق طبعا وقال سعادة مراتي حبيبتي بالدنيا كلها و فضل عايش اسعد أيام حياته يمكن اكتر من انه عايش دلوقت في الفيلا

 

ختمت حديثها بحنو وحب

- المقصود من كلامي يا حبيبتي إن اللي بيحب بجد بيدور على راحة حبيبه أنا مش عاوزة اضغط عليكِ وازود عليكِ المشاكل بس رامي مزودها اوي وبابا مش عاوز يتكلم عشانك وكمان احنا غلطنا واستعجلنا وكتبنا الكتاب كان المفروض نصبر شوية

- هو ليه يا ماما أنا حاسة إن في نبرة ندم في صوتك

- اكدب عليكِ واقول لأ ايوة ندمنا وربنا يسترها وتعدي على ورامي يرفع راسك قدمنا

 

ترددت إبتسامة " رُبى" على شفتاها لم تجد أي كلمة جديدة تتضيفها بعد حديث والدتها

على حق بل كل الحق،  لكنها تنكر ذلك .

 

في مكان و تحديدًا  في منزل " بلال" استمع لحديث " غفران "وهو ينفث سحابة دخان كثيفة، نظر إليه وقال بندمًا شديد

- مش عارف أنا اتسرعت  لما رحت ولا كنت صح مش عارف بجد ؟

 

رد " بلال" على سؤاله بسؤالا آخر وقال

- طب هو أبوها قالك إيه

- الراجل من كسوفه بقى مش عارف لا يصد ولا يرد بقى كل اللي عليه حصل خير حصل خير

 

تابع " غفران " بغيظٍ شديد قائلا

- كله منك يا بيه لما أنت متنيل على عينك وعاوز بنت عمك ما عرفتنيش ليه بدل اللي حصل دا واشيل ذنب البنت في رقبتي

 

ارتشف " بلال" رشفات سريعة ومتتالية من قدح قهوته وقال بإبتسامة واسعة

- واللهِ يا صاحبي أنا نفسي معرفش ازاي وإمتى وفين حصل دا أنا فجأة كدا لقيتها مستحوذة على تفكيري،  و الغيرة تشعلل في قلبي لو حد قرب لها، يمكن كلام حدي عنها يمكن دعواته اللي فضل يدعي لها معرفش بس كل اللي اعرفه إني عاوز اتجوزها

 

رد " غفران " متسائلا بغيظٍ شديد

- ومستني إيه ما تروح تطلب من أبوها

 

رد " بلال"بنبرة لا تقل عن نبرة صديقه قائلا

- اروح فين دي لما بتشوفني بيبقى هاين عليها تحطني في اكياس وتوزع على القطط والكلاب

-ليه عملت لها إيه يا متخلف أنت عكيت الدنيا ولا إيه ؟

 

رد " بلال"بهدوءٍ متجاهلًا سؤال صهره وقال

- سيبك انت أنا عملت لها إيه تفتكر هي هترضى ولالأ ؟

-لو هببتها يبقى اتعب شوية

- طب لو كانت ضلمة

- يبقى روح قدم الكفن ارحم لك

 

تركه  وولج للداخل وجد مجموعة من النساء والرجال يتحدثون في آحاديث جانبية،  أما هي كانت جالسة على الأريكة جوار العروس،  جلس وهو يحاول إبعاد شقيقته قائلا دون أن تبرح عيناه تلك الجميلة الشقية

- قومي كلمي غفران

 

ردت " مهدية " متسائلة بنبرة متعجبة قائلة

- أنا عاوزني ليه ؟

 

تبدلت ملامحه وقال بغيظٍ شديد

- ليه شايفة سوسن قدامك أنا بقول للعروسة

- اها بحسب أنا

-مهدية

- نعم إيه الفستان لسه مش عجبك بردو أنا ظبطه لها خمس مرات بسببك وترجع تقولي متأخرين هاا

- لا فستان إيه انا عاوزك في موضوع مهم

- خير

 

غمز بطرف عينه وقال بإبتسامة واسعة

-فاكرة زمان لما قلتِ لي إمتى احط همومي على همومك وغسالتي تغسل همومك

 

ردت " مهدية " بجدية مصطنعه مخاولة إخفاء ابتسامتها وقالت بعناد

- لأ  مش فاكرة

- بس أنا فاكر .

- عاوز إيه يعني مش فاهمة ؟

- عاوز اعرف أنا اللي هاجيب الغسالة. ولا أنتِ

 

ردت " مهدية " بصوتٍ مرتفع

- نعـــم

 

التفت من حولهم على إثر صوتها المرتفع،  ذهبت إليهم " صدفة " متسائلة عن السبب بينما هو ابتسامة إبتسامة مزيفة وقال ممازحا

-لا مافيش حاجة بنتفق على الغسالة بس

- في إيه يا مهدية ؟

- تعالي شوفي ابن اخوكِ يا عمتي عشان شكله شارب حاجة

- في إيه يا بلال ؟

- بقولها مين فينا ها يجيب الغسالة قام معجبهاش الكلام غلطان أنا ياعمتي ؟

- غسالة إيه يا واد اللي تجبها انا مش فاهمة حاجة قصدك يعني على وصال ماهو غفران اللي هايجيب الاجهزة ؟

- لأ ياعمتي دا حوار كدا بيني وبيها

- ايوة وإيه دخل الغسالة بالموضوع ؟

- ماهي دي اللي ها تغسل الهدوم بعد ما نحط الهموم على بعض

- هموم مين يا واد غلبتني معاك

- عمتي ابن اخوكِ شكل دماغه لسعت على الآخر عن أذنكم

 

وثبت " مهدية " من مكانها قبل أن يتوقف نبضات قلبها من فرط سعادتها، ختم حديثه وقال بصوتٍ مرتفع

- طب تعالي نجبها بالقسط

 

نجحت في أن تخفي هذه العلامات وهي تركض تجاه المرحاض لتضع لمسات جديدة من مساحيق التجميل،   بينما جلست عمتها "صدفة" محلها وهي تضرب " بلال"على فخذيه وقالت من بين أسنانها

- غسالة إيه دي اللي تجبها بالقسط فهمني

 

تابعت بتحذير واضح وصريح

-واياك تقولي هافهمك بعدين اديني بقل لك اهو

 

بدون أي مقدمات أو تجمل في الحديث قال بهدوء حد البساطة

- عمتي أنا عاوز مهدية

- عاوزها ازاي يعني ؟

- إيه اللي عاوزها ازاي دي يا عمتي عاوز اتجوزها

 

بسطت ذراعيها وقالت بسعادة تفوق سعادتها بأخته وقالت

- يا اخي حمد لله على السلامة، بركة إنك وصلت بالسلامة دا كنت خلاص فقدت الأمل في إنك تقولها

-طب أنا قلتها هي بقى سايقة الدلال ليه

- يحق لها يا حبيبي بنت زي باقي البنات و من حقها تتدلع

- طب هنتجوزيني إمتى ؟

- اصبر لما ناخد رأيها الأول وناخد رأي أبوها و

-  لأ يا عمتي أنا بنام بدري ومليش أنا في الرغي الكتير هي كلمتين ورد غطاهم يا مهدية بلال بيقولك الغسالة عليكِ ولا عليه

- غسالة إيه دي يا واد اللي شغال دماغك بيها أكتر من موافقتها

- ملكيش دعوة أنتِ، أنتِ بس قولي لها الكلمتين دول وهي هاتفهم، ومتنسيش تشكري فيا قدامها كتير

- ليه هي اول مرة تعرفك يعني، دا أنت ابن عمها اللي هايصونها و يحميها،  واللي عمره ما يجرحها بكلمة كدا ولا كدا

 

ضحك " بلال" ضحكة بلهاء ثم عقب على حديث عمته وهو يحرك سبابته قائلا

- ابوس ايدك الطاهرة دي ماتقولي الجملة دي قدامها احسن هي ناقص تقلبني شمعة

وتو....لع

 

يتبع

الفصل الثالث

¤¤¤¤¤¤¤¤

انتهى حفل الخطبة و عاد الجميع إلى بيته، عدا " مهدية" التي جلست تستمع لرجائه وتوسلاته بأن تحنو عليه وتتفضل بأن توافق على الزواج منه، لن تنكر  تلك النشوة بالإنتصار وهي تراه ذليلًا أسفل قدماها، لن تنسى تلك الإهانات الصادرة منه، لم يترك لحظة واحدة يدعس على كرامتها، ويقلل من شأنها،  كانت عاقدة ذراعيها أمام صدرها، تنظر للسماء، تشاهد القمر و النجوم كادت تجزم أنها عرفت كم هم عددُها، اما هو كان يقف بجوارها يحاورها ينغجها و يلعنها عندما تنظر له و لم ترد عليه، زفر بنحق ثم قال بنبرة مغتاظة

- ما تتلمي بقى يا مهدية أنا شوية وهـابوس ايدك عشان تحني عليا

 

ردت بعدم إكتراث لحالته تلك وقالت

- معلش مش واخدة بالي يا بلال جواز إيه دا اللي عاوزني اوفق عليه مش دي مهدية اللي كنت بتحذرها متقربش من اختك و

 

قاطعها قائلا بندم

- كنت غبي

 

ردت بتهكم قائلة بسخرية

- كنت !!

 

تابعت بحدة قائلة

- ومازالت  يابابا ومازالت يا حبيبي غبي

 

اقترب منها لكنه حافظ على المسافة التي وضعتها بينهما حتى لا يخسر ما بدئه منذ قليل القى نظرة سريعة بالداخل ثم عاد ببصره وقال

- شش بس الله يحرقك عمتي هاتسمعنا

 

ردت بعصبية قائلة

- ما تسمعنا يا بابا هو أنا كنت جبت حاجة من عندي ولا يمكن كنت برمي كلام وخلاص

 

ختمت حديثها متسائلة بسخرية قائلة

- ولما أنت جبان كدا و بتخاف من عمتك كنت بترميني بالكلام الباطل ليه ؟!

 

احتوى كتفيها بعنف وثبتها في مكانها قائلا بغضبٍ جم

- اثبتي بقى تعبتيني

 

تابع بغضبٍ مماثل لغضبها وقال

- وبعدين تعالي هنا هو مين اللي كان قال  عليكِ دا من الأول أنا و الحلو بسلامته مهدي ابن خالك ولا ناسية

 

ختم حديثه بنبرة حزينة تملؤها الندم محاولًا استعطافها عله ينجح هذه المرة

- عارف إن لغبط الدنيا بس أنتِ قلبك كبير و هيسامح و بعدين أنا عملت كدا من حبي و لا أنتِ عميا ومش شايف دا من زمان

 

كاد قلبه يرق له ارتسمت إبتسامة عريضة على شفتاه و قال بغمزة من طرف عينه قائلا

- ضحكت يبقى قلبها حن ورق

 

ردت عليه بإبتسامة مزيفة وقالت بجدية مربتة على كتفه

- شوف لما تبقى تقف على دماغك وتمشي عكس الناس الطبيعية بردو مش هتجوزك يا بلال

 

نفث سحابة دخان كثيفة في الهوا ثم عاد ببصره و قال ببرودٍ مماثل لها

- طب بصي بقى ورحمة جدي اللي جدك بردو لو ما اتجوزتيني لـ

 

قاطعته" مهدية"  بنبرة حادة قائلة

- هاتعمل إيه يعني ؟!

 

رد " بلال " بقلة حيلة

- هعمل إيه يعني هفضل اعزب لحد ما تحني عارف إنك نفسك تو لعي فيا بس عارف قلبك طيب و هتوافقي صح

- لأ غلط يا بلال مش هتجوزك وتفضل اعزب ولا تتجوز خلاص شيلتك من حساباتي

- بص بقى  يا بنت عمي انا مباخدش رايك في بقوله بكرا العصر أنا جاي اتقدم بشكل رسمي عجبك عجبك مش عجبك،  عجبني أنا وعمي وعمتي الجيران دي كلها نفسها تسمع بس اننا اتخطبنا عشان ترد لنا الواجب اللي بنعمله فيهم

- ها تتجوزي غصب  يا بلال ؟ !!

 

اقترب " بلال " منها  وقال بإبتسامة واسعة

لا تخلو من الدالال و الغنج

- مقدرش اعملها يا قلب بلال دا أنتِ اللي يغصبك على حاجة امحي من على وش الدنيا

حتى لو أنا  دا اموت لك نفسي

 

ردت "مهدية " بسرعة ممزوجةً بلهفة

- بعد الشر عليك

 

تنحنحت وقالت بجمودٍ مصطنع

-  والله مبقاش فارق معايا تعيش ولا تمـ

 

بُترت جملتها بنفسها وهي تضع أناملها على ثغرها نظرت له وقالت بصوتٍ حزين ونبرة تملؤها العتاب واللوم

- أنا مش قادرة انسى اللي قلته لي

 

عاتب حاله قبلها يعلم أنها تحملته كثيرًا، وبخها  ونعتها بما ليس فيها، لم يدري بنفسه وهو

يقترب منها ضاربًا بتحكماتها واوامرها عرض الحائط، لم يعد يكترث لتحذيراتها بعدم الإقتراب،  نظر حوله نظرة عابرة ثم عاد ببصره لها و قال بصوتٍ هامسًا

- عارف إني أذيتك بكلامي كتير،  وإني غبي ومابفهمش بس صدقيني استاهل فرصة أخيرة منك يا مهدية

 

ردت" مهدية "  بمرارة في حلقها قائلة

-  فرصك خلصت يا بلال، فضلت تقسى عليا لحد ما بقى مبقاش في قلبي ليك ولازحتة حب قد كدا

 

سألها بحزنٍ قائلا

- مش طالب غير فرصة يا مهدية كتيرة عليا ؟!

 

ردت على سؤاله بسؤالا آخر قائلة بحزنٍ

- واللي عملته فيا وكلامك ليا تفتكر كان قليل عليا ؟!!

 

 

تنفس بعمقٍ وهو يطالع السماء الصافية، عاد ببصره وقال للمرة الأخيرة قبل رحيلها

- طب يا مهدية أنا عاوز منك فرصة واحدة بس،  اثبت لك فيها إني استاهلك بجد، اثبت لك فيها إني كنت غبي يوم ما سلمت عقلي لحد تاني فرصـ

 

أنا آسفة يا بلال فرصك خلصت بالنسبة لي

تصبح على خير .

 

أردفت " مهدية " عباراتها  قبل أن تندفع تاركة إياه يناديها مرارًا،  لكن لا حياة لمن تنادي،  قررت أن تتركه قبل أن يتشاجر معها، قلبه ينعتها بالبلهاء وعقلها ينحي لها احترامًا وتقديرًا لهذه الحدة والصرامة، وقعت هي فريسة بين العقل والقلب، أما هو فكانت محاولاته دائما محاولات بائسة فاشلة ولا يعرف متى ستنجح ؟!

 

                   **********

في منزل الجدة ولاء

كان " نوح " واقفًا في شرفة حجرته، يرتشف رشفات متتالية من قهوته الساخنة، يستعيد ذكريات اليوم من بدايته حتى لحظته تلك

لاحت إبتسامة جانبية ما إن تذكر المشاجرة التي نشبت بينها و بين خطيبها، لا يعرف لِمَ لا يفصل رأسه عن جسده، ربما لتوسلها له بأن يتركه مدعية عدم الضرر له، لو تعلم كم هو يتوق شوقًا ليجده جثة هامدة، لو تعلم كم يتوق شوقاً لرؤيتها سعيدة بعيدًا ذاك الغليظ

اطلق تنهيدة قوية تحمل كل ما يجيش بصدره

انتشل صوت صرير باب الشرفة المجاورة وخرجت منها " رُبى" مُدعية أنها " صبا" بدأت تسأله عن ما حدث لاختها قائلة بخبثٍ

- بس يا سيدي  وقالت  لي إنك جيت في الوقت المناسب حقيقي يا نوح مش عارف اشكرك ازاي بابا لو عرف كان بهدلها قبله

 

عقد " نوح " ما بين حاجيبه متسائلا بمكر

- كل دا حصل ما رُبى !!

 

مالت " رُبى" برأسها متسائلا بإبتسامتها الساحرة قائلة

- يا نوووح بقى أنت مش عارف اللي حصل ما هي رُبى حكيت لي

 

رفع" نوح" منكبيه وقال بكذب

- صبا مش محتاج اكدب على فكرة و انا نفسي مستغرب إن رُبى حصل معاها كدا وقالت عني كدا

 

تابع بجد وقال

- صحيح لو كان حصل دا كنت عملت زي ما حكيت لك بس ارجع واقول انا لا شفت رامي ولا رُبى ولو حصل كدا يبقى اختك بتحلم

 

فرغ فاها لتتحدث قاطعها قائلا

- بقل لك إيه تشربي قهوة ؟!

 

تناولتها " رُبى" دون تردد وقالت بامتنان

- ياسلام احلى قهـ

 

صمتت عندما صدحت ضحكته ما إن ارتشفت القهوة كالبلهاء، قلبت شفتاها وقالت بنبرة مغتاظة

- بتضحك على إيه ؟

 

رد " نوح " باسمًا

- تاني مرة لما تحبي تعملي  صبا ابقي اتاكدي الأول اني مش اهبل

 

سألته بنبرة مغتاظة

-عرفت منين إني رُبى ؟!

 

اجابها بإبتسامة قائلا مدللٍ إياها

- قدرات يا روبي

 

دفعته في كتفه وقالت بغيظٍ

- بتكلم جد يا رخم

 

نظر ليدها الموضوعة على كتفه، ثم عاد ببصره وقال بصوتٍ هامسًا مراعاة لشعور أخيه الذي يقف في الشرفة العالية بالطابق الثالث

-  كنت مصدق إنك صبا فعلا، لحد ماقلت لك تشربي وقبلتي

 

سألته بعدم فهم قائلة

- ودي فيها إيه يعني !!

 

اجابها بجدية وهو يتكأ بجذعه العلوي على السور الاسمنتي وقال

- صبا عارفة إن بيجاد بيغير من خياله وهي بتحافظ على شعوره، بمعنى اصح بتحاول تعمل حدود معايا ومع اي حد ممكن بيجاد يغيير منه

 

ردت " رُبى" متسائلة بسخرية

- ايوة بس دي خنقة، وبصراحة بقى اخوك مزودها اوي

 

حرك " نوح " كتفيه وقال بجدية

- هو ممكن تشوفيها خنقة ومزودها لو أنتِ مش حاباه لكن لو بتحبي يبقى هتبقي مبسوطة إنه بيغيير عليكِ ومش عاوزك تتكلمي من غير حدود

 

جلست على المقعد الموضوع خلفها وقالت بغمزة من طرف عيناها بمكرٍ

- طب وأنت مش بتغيير ؟

 

عقد ما بين حاجبيه متسائلا باستفهام

- من مين ؟

- بيجاد، يعني هو بيتحكم في صبا وبيقولها تكلمي دا وتخرجي إمتى وترجعي امتى حتى أنت اخوه الكبير عاملة معاك حدود مع انك مش غريب وابن عمها اصلا

 

رد" نوح"  بتفهم وقال

- اها، لا طبعا مش غيران بالعكس مبسوط إن اخويا الصغير كبر وعارف يعني إيه حب وحياة أسرية، وبعدين كل واحد حر في حياته

هو عاوز خطيبته تتطبع بطبعه وهي موافقة ازعل أنا ليه !!

 

ختم حديثه ماكرًا قائلا

- اعتقد إنك المفروض تبقي عارفة الحاجات دي كويس اكتر مني

 

ردت " رُبى " رافعة كتفيها متسائلا بغرور

- مين أنا !!

- اه، بما إنك مخطوبة وكدا فأكيد خطيبك بيغيير بقي وكدا

 

صمتت قليلًا ثم قالت بكذب

- رامي طبعا بيغيير بس عارف يغيير من مين و امتى

 

أشارت بسبابتها قائلة بغطرسة

- أنت مثلا تفتكر ممكن يغيير منك ؟ طبعا لأ

 

رد" نوح" بذات النبرة وقال

- طبعا مش ممكن يغيير مني، ليه شايفاني ملزق زيه .

 

يتبع

الفصل الرابع

¤¤¤¤¤¤¤¤

 

ضغطت على يدها بقوةً حتى إنقطعت الدماء عن اطرافها،  لاحظ غضبها المكتوم فبادلها بإبتسامة خفيفة، وقف عن المقعد وقال بجدية

- أنا هطلع اشوف ملك اختي

 

اشار بيده وقال بتساؤل

- خلصي القهوة وحطي الفنجان هنا مش مهم تغسلي

 

كادت أن يلج للغرفة لكنه عاد بجسده وقال

- رُبى

 

التفت له دون أن ترد ولكن ملامح الحزن بادية على وجهها، تابعته بأعين مليئة بالدموع ونبرة متحشرجة لا تخرج حتى لا تكشف إنكسارها أمامه استمع لنصائحه دون التعقيب على حديثه بكلمة واحدة

- أنتِ غالية، غالية في نظر ناس كتير اوي بلاش ترخصي نفسك، اوعي تعيشي حياة مش حياتك لمجرد الخوف من الفشل، لأن دا في حد ذاته فشل، افشلي في علاقة على البر أفضل مليون مرة ما تعضي على ايدك من الندم بعدين

 

ختم حديثه قائلا

- متناميش السحور على البنات النهاردا

 

غادرت الشرفة لكن لم يغادر الحجرة،  ظل واقفا خلف الباب، يستمع لبكائها، نحيبها، وانسكارها أمامه،  استدار بجسده كله وضع يده على المقبض الحديدي، قرر أن يعتذر لها

طحن على أسنانه من فرط غيظه، ترك المقبض والغرفة بل الشقة بأكملها، صعد إلى شقيقته، ولج البيت باحثًا عنها، كانت والدته تصنع لوالده قهوته المسائية،  دلف المطبخ طبع قبلة على كتف والدته وقال بحنو

- كل رمضان و أنتِ منورة بيتك ومطبخك  يا ست الحبايب

 

ابتسم دون أن تستدار له وقالت بسعادة

- و أنت بخير يا حبيبي

 

سكبت " سيلا"  القهوة ثم استدارت له وقالت باسمة

- تحب اعمل لك قهوة يا نوح ولا تتسحر ؟

 

أومأ برأسه قائلا بالنفي

-  لا يا ماما ها نتسحر كلنا تحت إن شاء الله

 

اقتربت منه وقالت بصوتٍ هامس مشيرة برأسها تجاه زوجها " مالك " الذي جلس يقرأ الجريدة المسائية

- مش هيرضي ينزل

 

تناول من يدها القهوة وقال بذات النبرة

- روحي حضري نفسك وأنا هاظبط الدنيا

 

سار تجاه والده، جلس وقال بأدبٍ وهو يضع قدح القهوة

- كل سنة وحضرتك طيب يا بوب

 

رد " مالك " دون أن يرفع بصره عن الجريدة

- وأنت طيب يا نوح

- اتفضل القهوة

- طب يا سيدي تسلم ايدك

- ماما اللي عملتها

- تسلم ايدها وايدك

 

نظر له وقال بجدية

- هات اللي عندك يا نوح

 

ابتسم لها وقال

- بص انا عارف إن عمي غلط، بس أنت لو فكرت فيها ها تلاقي عمل الصح، هو ماشي بمبدأ اجرح بنتي ولا غيري يجرحها

 

رد " مالك " بتهكم قائلا

- وما شغلش دماغه دي مع بنته ليه ؟! فالح بس يجرح بنتي ؟!!

 

نظر " نوح" لوالده بينما رد " مالك" وقال بتلعثم

- ما تبصش لي كدا يا واد أنت، ايوة أنا اللي حطيته في وش المدفع بس بردو قلت هو ها يعرف يجبها لها بذكاء مش هيبقي مدب زيي

اهو طلع دبش اكتر مني

 

تنهد " نوح "  وقال باسمًا

- بابا يا حبيبي لو جبها بذكاء زي ما بتقول كانت هتاخد وقت وهي تتعلق بي زيادة هو قال كدا افضل، طب اقل لك على حاجة امبارح عمي ما اتسحرش ولا فطر حتى تيتا رفضت تأكل

 

استدار " مالك " بسده نصف جلسة  متسائلا بعتابٍ

-  إيه دا ازاي كدا دول بياخدوا دوا وعمك يا زفت أنت ازاي تسيبه يصوم من غير ما يأكل لقمة ؟!!

 

رد بنبرة حزينة و قال

-  اعمل إيه بس يا بابا، ماهو بعد ما اتجمعنا كلنا وفضل منتظرك قال مش هتسحر لما الكل يتجمع، بعتنا لك وأنت قلت مش هتنزل قال أنا مليش نفس وطبعا ولاده ومراته نفس الكلام وتيتا لما شافت كدا قالت شيل الأكل يا نوح مليش نفس و اول يوم رمضان اللي كنا بنتجمع فيه بفرحة وسعادة بقى حزن وكأبة

 

ختم " نوح "حديثه قائلا

- لو يرضيك بقى عمي يتعب و

 

لكزه والده قائلا بغضبٍ مكتوم

- اخرس قطع لسانك

 

تابع بجدية قائلا

- قوم نادي على امك واخواتك وخليهم ينزلوا أنا كمان نازل

 

وقف " نوح" وهو يغمر والده بقبلاته قائلا بسعادة

- حبيبي حبيبي، كنت واثق إنك مش ها تكسفني

 

تابع بتذكر قائلا

- صحيح خبط على عم عابد الاول و

 

رد " مالك" و قال بغضبٍ مكتوم

- امشي يالا من هنا مش ها تعلمني الأصول

 

خرجت " سيلا" تبعها " بيجاد" ليشاهدو

مشاجرة الأب وابنه التي لن تنتهي إلا بذهاب

" نوح" غادرا ثلاثتهما، وولج هو لاخته المنعزلة منذ معرفتها بخبر خطبة " غفران"

كانت شاردة الذهن لم يصل إلى مسامعها ماحدث بالخارج، أو وصل فهي لم تكترث لهما بل لم تكترث لأي شئ من الأساس .

جلس مقابلتها على حافة الفراش، يستمع لها، حسرتها على فرحتها التي لم تكتمل، على ذاك الحبيب الذي لم يشعر بها من الأساس،  نظرت له وقالت بمرارة

- أنا مزعلتش من كلام عمي يا نوح، أنا زعلت على  فرحتي اللي اتكسرت، فستاني اللي ملحقتش افرح بي، على واحد حبيته وهو قلبه مع غيري

- حاسس بيكِ يا ملك

 

ردت " ملك "ببكاء مرير

- لأ مش حاسس بيا، أنت عمرك ما جربت يبقى إيه بتحب حد ويفضل قصادك ليل نهار وفي الآخر يبقى نصيب حد تاني، قمة القهر اللي في الدنيا يا نوح لما اللي بتحبه مش بيبادلك نفس الشعور

 

ابتسم بإنكسار وقال بمرارة في حدقه حاول التغلب عليها

- جربت يا ملك، جربت كل اللي بتقولي عليه دا  عشان كدا بقل لك حاسس بيكِ

 

نظرت له وقالت بتساؤل

- رُبى مش كدا ؟!

 

تنحنح وقال بجدية مصطنعة

- انا جاي اتكلم معاكِ  ولا تحققي معايا

 

سألته " ملك" مجددًا

- ليه بتهرب يا نوح ؟

 

أجابها رافعًا كتفيه قائلا بإبتسامة ممزوجة بخيبة أمل

- وهو أنا قدامي غيره يا ملوكة !!

 

ربت على ظهر يدها وقال بمزاح

- يلا السحور عليكم وبابا تحت واحنا امبارح لا فطار ولا سحور، و لا عاوزة تهربي من عمايل الأكل !!

 

ابتسمت رغمًا عنها وقالت بحنو وحب

- رغم إن رُبى بنت عمي بس انا بتمنى لك حد غيرها أنت تستاهل تتحب يا نوح وهي أنانية

 

رفع" نوح "  منكبيه وقال

- حبيبك على عيبه بقى ياملوكة

 

ختم حديثه قائلا

-  يلا ربنا يسعدها ويوفقها في حياتها اللي اختارتها

 

نهض قبل أن يستمع للمزيد من كلمات أخته المؤلمة لقلبه،  خرج من غرفتها هاربًا للمرحاض وضع رأسه أسفل المياة، عله توقظه من غفلته تلك، رفع رأسه ونظر لصورته المنعكسة في المرآة،  مالذي فعله بحاله وقع في عشقها دون إرادة منه، لا بل كان السبب في ذلك هو عمه حين وعده بها، تردد على مسامعه جملة عمه وهو يقول

( رُبى ليك يا نوح، مش هلاقي لبنتي راجل يشيلها في عينه زيك، خلص جامعتك ونعمل خطوبة وبعدها نفرح بيكم،  أنا بشتري راجل )

 

كانت جميلة هادئة مدللة أبيها، حتى  جاء ذاك   المحتال والتف حولها كالأفعى،  لن ينسى تلك الجملة التي اعتذر بها " عابد " وهو يخبره

( معلش يا نوح الظاهر إنها مش نصيبك، كنت فاهم إنها هعرف اختار لبنتي بس هي اختارت ومصممة على رأيها، بس صدقني هي الخسرانة)

 

كان هذا اليوم هو يوم تخرجه كان في الثاني والعشرون من عمره،  أما الآن بلغ الخامس والعشرون ثلاث سنوات كاملة، مرت عليه يحاول تجاوزها، دعس عمه على قلبه دون قصد لن يخبر أحد بتلك الالام،  ظل حبيس هذه الذكريات ولن يخرج منها ما دامت هي أمامه يحاول تجنبها لكنها لم ترحمه حتى يركع أسفل قدماها طالبا العفو والرضا،  يا لها من متعجرفة، قاسية القلب،  وسليطة اللسان

يود أن يصرخ في وجهها لكنه يقابلها بالبرود

فيزداد جنونها، تعمل على الغيرة لديه فيبتسم

هبط الدرج وهو يقفز بين سلالم الدرج بعد أن بدل ملابسه المبللة بأخرى جافة،  خرجت في ذات الوقت ابتسم لها وقال بجدية مصطنعة

- صبا نادي للجماعة

 

ابتسمت وقالت بهدوء

- أنا رُبى مش صبا وكنت طالعة انادي لكم عشان بابا قال إن هنتسحر عندنا

 

عقد ما بين حاجبيه متسائلا بنبرة متعجبة

- هو بابا مادخلش عندكم ؟

- لا دخل بس مش بيتكلم مع بابا

 

وقف أمام الباب مباشرةً  وقال

- طب دخليني

 

أشارت له بالدخول تجاوزها عابرًا باب شقتها، القى التحية وهو ينظر للجميع، كان " عابد"

يتحدث بمرارة في حلقه، يعاتبهم علي سوء معاملتهم له وكأنه السبب في ذلك،  كانت

" ملك " تشعر بالذنب لما آل إليه عمها،  جلست جواره محتضنة ذراعه وتوسدته ثم قالت بنبرة حزينة

- معلش يا عبودي متزعلش أنا آسفة  أنا السبب

 

رد "عابد " بصوتٍ مختنق

- ابوكِ فاكر بعاملك غير ولادي ربنا يعلم أنتِ زيك زي بناتي ويمكن اكتر كمان

 

تابع بحزنٍ دفين وهو يشير بيده قائلا

- عيال البيت كله مولدين على ايدي أنا آخر حد دلعته وشيلته على ايدي هما عيالي دلوقتي بتقولوا عني إني جاحد ومبخافش على كرامة ملك بنتك اللي هي اساسا بنتي أنا

 

وجه سؤاله لأخيه مشيرًا برأسه قائلا

- مين اللي كان بيودي الحضانة ويجبها مين كان بيدلع ويسرح شعرها ويغني لها مين لما كانت تغلط يداري على غلاطها ويقول محصلش كانت بتجري على حضن مين  وتعيط عشان أنت بس زعقت لها

 

ثم نظر لها وقال بتساؤل

- مين اللي كان بجيب لك حقك من عينه مين اللي لو فكر يضربك على ايدك كان يرد له الضربة بالحزام على جسمه لما ينزف

 

يتبع

 

الفصل الخامس

¤¤¤¤¤¤¤¤¤

 

سقطت دموعها من فرط تأثرها لحديثه وكلماته المعاتبة والحانية أيضا ثم قالت بحنو وهي تكفكف دموعه

- وحياتي ما تزعل نفسك أنا بخير طول ما أنت بخير

 

تابعت بنبرة مرحة قائلة

-ما تخليش مالك يفرح فينا دا ما بيصدق إنك تزعل مني عشان ادلعه

 

ابتسم لها وقال بجدية مصطنعة

- طول عمره استغلالي ابن كلـ ، تقولي إيه ماهو قليل رباية

 

رد " مالك" وقال بعتاب

- ماخلاص بقى ياسي عابد احنا كبرنا على الكلام دا العيال قاعدة مش كدا

 

رد" عابد" ساخرًا

- مهما كبرت هتفضل مالك العيل الصغير اللي كان يدور يفتش في هدومي ويسرقني ويستلف مني وميرجعش الفلوس معروفة يعني !!

 

قاطعه " مالك " قائلا بجدية مصطنعة

-لأ يا حبيبي كنت برجع لك الفلوس بس على مهلي مش مستعجل الإستعجال وحش

 

ابتسم " نوح" وهو ينظر لأخته التي ضحكت وهي تنظر لأخوايها قائلا بمرح

- دا طلع بيجاد مش طالع لحد غريب يا بابا

 

ابتسم " مالك" وقال دون قصد

- اه طالع لي

 

ضحك الجميع ثم تذكر ماذا تقصد تلك الحمقاء

وقف عن الأريكة المقابلة لأخيه وحاول نزعها من حضن أخيه قائلا بجدية مصطنعة وهو يضربها بخفة

- قومي يا كلبة من هنا بتوقعيني في الكلام

 

نزعت يده من فبضة أبيها متشبثة في ذراع عمها وقالت بغنج ممزوج بحزن مصطنع

- يا عمووو خلي يسكت

 

دفع " عابد"  أخيه قائلا بجدية

- امشي من هنا يلا مش عاوزين نشوف وشك و

 

قاطع هذه المشاجرة الصبانية دخول " مليكة"

التي بالكاد تلتقط أنفاسها وكأنها كانت في سابق للركض، بحثت عن أخيها الأكبر وما إن وقعت عيناها عليه نزعت صبا من حضنه وقالت بسرعة دون توقف

- أنت كويس؟  فيك حاجة !!  حاسس بإيه ؟! رد عليا ساكت ليه يا عابد؟!

 

سألها بدهشة قائلا

- أنا كويس يا بت مالك في إيه ؟!

 

وقفت عن الأريكة متجهة حيث ابن اخيه العاق الذي يومًا ما سوف يقضي على آخر ما تبقى من عقلها،  رفع سبابته وقال بخوفٍ من تصرفاتها

-وربنا يا عمتي ما كان عندي حل غيره، عمتي أنا آآآه

 

لم تتركه ينعم بتلك المقالب اللعينة التي يفعلها دومًا، قامت بضربه في مناطق متفرقة من جسده،  استدارت بجسده كله تجاه اخوايه  وقالت بغيظٍ

-  دا ها يجيب لي جلطة دا،  وابقى ارتاح أنت وابنك يا مالك

 

عادت مكانها نازعة هذه المرة "ملك" من حضنه قائلة بعصبية

- خمسة بس كدا يا حبيبتي عشان اطمن على اخويا

- إيه يا عمتو دا مكاني من الأول

- روحي اطمني على اخوكِ وسيبي لي اخويا أنا اطمن عليه

 

بعد مرور نصف ساعة

 

وقف " نوح"  وقال بجدية مصطنعة

- يلا بقى عشان ستي بتسأل علينا ونعاد السحور جه خلاص يلا كلنا نتلم عندها

 

تابع قائلا بتحذير

- السحور النهاردا على البنات مش عاوز دلع هااا

 

رد "عابد" قائلا بإبتسامة

- اعمل أنت الفول يا نوح بتعمله حلو

- بعمله حلو ولا مش عاوز تتعب البنات ياعمي ضحكوا عليك بكام حضن وبوسة

- اخرس يا متخلف قلت لك بحب اكله من ايدك

 

نظر" نوح"  للفتيات وقال بنبرة مرحة

- بنات عيلة المحمدي على المطبخ يلا وسيبه لي الفول أنا هاعمله

 

نظرت " صبا" لتوأمها متوسلة إياها بأن تتولى هذه المهمة بدلًا منها حتى تمرر اليوم مع خطيبها الذي يشعر بالغيرة من تواجدها مع أي شخصًا بالمكان، أومأت لها بالموافقة ونهضت قائلة بمزاح

- أنا هعمل لكم بيض مسلوق محدش يعرف يعمله غيري

 

رد " نوح " ساخرًا من مهاراتها الفذة

- لأ مش ممكن بيض مسلوق ودا ياترى بيتعمل ازاي دا ؟!

 

تابع بجدية كاظمًا غيظه الشديد منها

- قومي ياصبا معانا يلا

 

ردت " رُبى" بسرعة قائلة

- لأ سيب صبا  ترتب السفرة وترص الاطباق

 

انتبه لوجود أخيه وأنها هذه تعليماته،  لم يعقب على حديثها أو يبدى أي اعتراض، ولج المطبخ وخلفه شقيقته وابنة عمه .

 

كان يستمع لحديث اخته في موضوعات مختلفة يتبادلا أطراف الحديث عن هذا وذاك

لم تتدخل " رُبى" في هذا الحوار، انتبهت لسؤال " ملك " وهي تقول

-  وأنتِ إيه رأيك يا رُبى ؟

 

ردت " رُبى"  بنبرة حائرة

- مش عارفة بصراحة بس أنا مع نوح في الكلام دا

- يعني إيه، يعني مش عاوزاه ياخد مني العربية ؟!

 

ردت موضحة رأيها

- مش قصدي طبعًا إنتوا اخوات ومافيش بينكم فرق اكيد بس أنا كنت قصدي إنه فعلا هايضيع معظم مرتبه على بنزين وتصيلح وخلافه

- بس يا على الاقل يا رُبى هايبقي مرتاح من مرمطة الموصلات والقلق اللي بيعمله لنا يوميا بسبب الموتوسيكل بتاعه، وبعدين أنا اخته الكبيرة مش حد غريب

- أنتِ زعلتي مني أنا مش قصدي يا ملك والله بصي انا آسفة مش

 

رد " نوح" مغيرًا دفة الحوار وقال بمرح

- انتوا عاملين أزمة انا لا هاروح بال ولا الموتوسيكل أنا اترفدت من الشغل وبقيت عاطل عن العمل واتحولت للتحقيق والحمد لله

 

استدارت " ملك " بجسدها وقالت

- ليه يا نوح كنت مرتاح في الشغل مع خالو عاكف وازاي يحولك للتحقيق !!

 

كاد أن يتحدث لكن قاطعته صوت عمته قائلة بحنو

- خد يا نوح تولين عاوزة تكلمك

 

طلب منها فتح السماعة الخارجية، ووضع الهاتف على المائدة الرخامية،  قام بتقطيع الخضراوت وهو يحدثها قائلا

- اهلًا بالرسامة العظيمة

 

صدحها صوتها في المكان قائلة بمرحة

- اهلا بإبن خالي العيظم، سيبك من المقدمات

وقل لي بتلف وتدور ليه مش عادتك

- عاوزك تعملي الشقة أنتِ عارفة تيتا وطلباتها

- بالأسعار اللي قلت عليها مستحيل

- توتي متهزريش الأسعار دي اخسن اسعار عندي

- نونووو

 

رد مقاطعا غنجها اللاذع وقال

- تولين بلاش الاسم دا بيعصبني

- خلاص متزعلش المهم أنا بكلمك عشان اقل لك إني مستحيل افضى لحد قبل العيد بأسبوع

- لأ يا تولين مش هاينفع عاوزين نخلص قبل عيد ميلاد تيتا و

- اسمعني بس الشقة مش هتاخد مني وقت خالص انا بس مشغولة ما بين تحضيرات المعرض بتاعي ومشروع التخرج عشان كدا حرفيا مافيش وقت عشان خاطري سبني لسه شهر رمضان في أوله

 

كانت " رُبى"  تستمع لصوتها المدلل وهي تغنجه طالبة منه الرحمة بها، ظلت تضغطت على مقبض السكين بقوةً لا تعرف سببها، استدارت بجسدها كله وضعت  أمامه صحن الجبن وقالت بإبتسامة عريضة

- حلوة الجبنة كدا يا نوح ؟

 

رد دون أن ينظر إليه قائلا

- حلوة تسلم ايدك حطيها عندك يا رُبى

 

تابع باهتمام قائلا

- خلاص يا توتي هاسيبك لاخر الشهر بس عارفة لو خلعتي هاعمل فيكِ إيه ؟!

-لالا متقلقش هي دي اول مرة يعني، يلا هاسيبك تكمل السحور عشان انا كمان احضر السحور لبابا واخواتي

- ماشي ومتنسيش تيجي تفطري معانا بكرا، عمتو فيروز جاية بكرا و

 

نظر " نوح"  لـ تلك الماثلة أمامه،  ونيران الغيظ والغضب يكاد ينفجران من عيناها، سألها بنبرة حادة

- أنتِ متخلفة بتقفلي السكة في وشها ليه

 

ردت على سؤاله بتحذير واضح قائلة

- لما اكون بكلمك تبص لي واهتمامك يكون ليا وبس حتى لو اللي بيكلمك دا

 

تابعت حديثها بإستهزاء

- ست تولين هانم

 

ختمت حديثها وهي تدفع في صدره الخبز ثم خرجت من المطبخ، تمتمت بكلماتٍ لاذعة

- غبي و متخلف

 

لم يكترث لإنفعالها الزائد وتصرفاتها الحادة معه، يعرفها جيدًا متقلبة المزاج،  تابع تحضير الطعام وسط ذهول ودهشة شقيقته الكبرى

بررت بداخلها أن هذه تصرفات تحمل بين طياتها الغيرة لكنها رفضت تصديق الأمر، ضحكت بصوتٍ مسموع سألها " نوح" قائلا

- طب ضحكيني معاكِ ؟!

- اصل لولا رُبى مخطوبة لواحد بتحبه كنت قلت إن اللي حصل من شوية دا، غيرة مجنونة

- هتغير من مين من تولين لأ وعلى مين عليا أنا دي لو تطول تو لع فيا مش هتقصر

 

صدحت ضحكاتهما المكان،  تابع آخر لمسات الطعام وخرجا سويًا من المطبخ،  التفوا جميعًا حول المائدة و شرعوا في تناول وجبة السحور

بين الضحك و الجدية،  كانت " ملك " تحاول جاهدة مواكبة ما يحدث حاولها من أجل عمها

بداخلها حزنٍ دفين .

 

 

في مساء اليوم التالي

داخل منزل " بلال"

كان ينظر لأخته وهو يتناول صحن الحلوى،  جلست جواره تستمع لحديث عمتها، ربتت بخفة على كتف أخيها و قالت بتعاطف

- معلش يا بلال استحملها

- يا ابني انا عمتك  ودي اختك يعني مش حد غريب قل لي البت راسها ناشفة ليه، و ليه مش راضية تتكلم وبتقولي اسألي !!

 

تنهد" بلال"  بعمقٍ وقال

- خلاص يا عمتي بقى سيبها أنا هعرف ازاي اخليها توافق بس سيبها يومين كدا

 

ردت متسائلة بحدة وهي تنظر له قائلة بغضبٍ

- ايوة يعني إيه ؟ أنا عاوزة افهم

- خلاص بقى يا عمتي قلت لك سبيني في حالي دلوقت

- لا مش هاسيبك

- يبقى أنا اللي هاسيبك و اسيبك البيت كله سلام

- خد يا بلال كلمني هنا يا واد

 

أشارت بيده لـ شقيقته قائلة بغيظٍ شديد

- شايفة الواد وعمايله يا وصال !!

- سبيه يا عمتي هو هيرجع وهيبقى كويس

 

مهدية اخرجي بصي من البلكونة، وربنا يا مهدية لو ما طلعتي دلوقت لاطلع أنا لمي الد‘ر الناس هتتفرج علينا

 

أردف " بلال" عبارته وهو ينظر حوله ثم نظر للأعلى أشار بيده  و مازال هاتفه على أذنه

- اعملي لي فنجان قهوة وانزلي نتكلم

 

ردت " مهدية" بعنادٍ قائلة

- مش نازلة واللي عندك اعمله وقهوة مافيش

 

هز رأسه علامة الإيجاب وقال

- ماشي يا مهدية

 

صعد سلاالم الدرج بخفة وسرعة،  قرع ناقوس باب شقتها،  وقفت خلفه وقالت بحدة وصرامة

- امشي يا بلال بابا مش في البيت

 

استند بكتفه على باب البيت وقال

- مش هامشي يا مهدية وهفضل قاعد هنا لحد ما عمي يرجع

 

فتحت النافذة الحديدية ثم قالت بغيظٍ مكتوم

- عاوزك يا بارد إيه هو الجواز بالعافية ؟

 

رد " بلال" باستعطاف

- يا مهدية كل اللي طلبته فرصة تانية، وصدقيني آخر فرصة

 

كادت أن توافق لكنها تذكرت حديث " شوقية"

صديقتها وهي تذكرها بإهانته المتكررة لها و حديثه اللاذع فقررت أن تعمل بنصيحتها وقالت

-  ياريته كان ينفع ياحبيبي بس تقول إيه بقى

اللي سبق

 

كور قبضته وقال بنبرة مغتاظة

- قصدك إيه يعني ؟!!

 

ردت بهدوء حد الإستفزاز

- يعني مهدي اتقدم لي وأنا وافقت و

 

قاطعها بغيظٍ شذيد وهو يقول

- بقى مهدي اتقدم لك ؟!

- اه

- طب مبروك ياختي ماهو صحيح كل واحد بيدور على اللي شبه

 

غادر " بلال" المكان بينما اوصدت " شوقية"

النافذة وهي تقول بحزنٍ مصطنع

- بقى هو دا اللي قلبك اتنطنط من الفرحة بسببه من امبارح مش قلت لك إن بلال مش من توبك وإنه خلاص ركب الموجه وعدا

 

ارتمت بين احضان صديقتها بينما هي مسدت على ظهرها بحنانٍ بالغ قائلة

- معلش يا حبيبتي ولا يهمك بكرا مهدي يتجوزك ويعيشك في السعد والهنا

 

يتبع

الفصل السادس

¤¤¤¤¤¤¤¤¤

 

السلام عليكم كل سنة وإنتوا طيبين ورمضان كريم علينا وعليكم يارب، وحشتوني ياعيااال

 

أردفت " فيروز" عباراتها وهي تقف على اعتاب باب شقة والدتها، خلفها ابنها وابناء اشقائها،  هرولت نحوها " صبا" محضتنة إياها

بقوةً وكأنها وجدت ضالتها، بئر أسرارها صديقتها المقربة،  وأمها الثانية أتت أخيرًا، خرجت من حضنها متسائلة في دهشة

- فين عمو سلطان دا واحشني قوي يا عمتو

 

ردت " فيروز" بإبتسامة هادئة قائلة بكذب

- جاي بس كمان يومين تلاتة كدا أصل عنده شغل كتير وقال كفاية عليكم تأخير لحد كدا

 

ولجت " صبا" محضتنة عمتها هامسة بجانب أذنها وقالت

- عندي كلام كتيير قوي وعازة اتكلم معاكِ

- وأنا عاوزة اسمعك قووي

 

ولج " صهيب"  بوجه مبتسم صافح الجميع،  ثم مال بجذعه العلوي على يد جدته، طبع قبلته وقال بحنو وحب

- كل سنة وأنتِ طيبة ياتيتا

 

مسدت على مؤخرة رأسه وقالت بسعادة غامرة لرؤيته أخيرًا

- وأنت طيب ياقلب تيتا. والسنة الجاية كدا تبقى مع مراتك في بيتك

 

ضحك " صهيب " وقال ممازحا جدته

- ياتيتا كل سنة تتدعي لي نفس الدعوة مش هتغيريها  ؟

 

ضمته لحضنه بحنانٍ مربتة على كتفه وقالت بجدية مصطعنة

- هفضل ادعي لك بيها لحد كا اموت ولحد ما ربنا يهديك يا ابن بنتي وتتجوز

 

رفع بصره وقال باسما

- وأنا موافق بس هاتي لي نسخة فيروز وأنا هتجوزها حالا

- فيروز !! طب نقي حد عدل

 

ضحك الجميع على مزاح الجدة وسخريتها من ابنتها الذي يحدث سنويًا، نظر " صهيب" لوالدته ثم عاد ببصره لجدته وقال بعتابٍ ولوم

- ليه بس ياتيتا دي مامي قمر كدا ازعل منك

 

تشارك الجميع هذا المزاح ثم تبدل الحديث لجدية وانتهى بهم، وهم يلتفوا حول مائدة الطعام، كانت الجدة تجلس على رأس المائدة، تضع الطعام لهذا وذاك، تنظر نظرة عابرة لتطمئن أن الجميع يتناولون وجبة السحور، رغم ضعف نظرها إلا أنها علمت أن تلك المسكينة التي لا تعرف مالذي فعلته ليفعل مافعله " بيجاد" بها،مضطربة عن الطعامجالسة بجسدها وعقلها بمكانًا آخر، هتفت بصوتها قائلة بحنو

- مالك يا صبا مش بتأكلي ليه ؟

 

ردت " صبا " بإبتسامة باهتة

- لأ يا تيتا بأكل بس أنا مش بحب أكب كتير عشان متعبش في الصيام

 

وقفت الجدة عن مقعدها، سارت تجاهها ثم وضعت الطعام وقالت بحنو وحب

- كُلي يا بت قربتي تختفي

 

رد " صهيب " بعفوية شديدة

- تيتا الأكل بليل مش صحي بلاش تديها عيش كفاية زبادي خفيفة ومش هتتعبها

 

قاطعه " بيجاد" قائلا بغيظٍ مكتوم

- وأنت بقى دكتور حضرتك عشان تعرف إيه بيتعبها وإيه اللي بيريحها ؟!

 

رفع " صهيب " منكبيه قائلا بتلقائية

- عادي يا بيجاد مش محتاجة دكتوراه، وبعدين هي اصلا بتشتكي من معدتها بقالها فترة عشان كدا بقولها تأكل حاجة خفيفة

 

توترت الاجواء قليلًا بسبب حدة " بيجاد" وتلقائية " صهيب" لم يشعر الآباء بما حدث لإنعزالهم في شقة " عابد" بعد أن رفضوا تناول وجبة السحور مع الأحفاد تاركين الجدة تنعم بهذه الجلسة بمفردها،  عادت الجدة لمكانها دون أن تعلق على هذا الموقف ظنًا منها أن الأمر سوف ينتهي خلال دقائق، لكنها صُدمت ما إن وجدت " صهيب" يصف بتلقائيته كيفية التعرف على كلامن " صبا ورُبى" بعد أن طلبت " تولين" منه كنوع من تخفيف الاجواء،لم تكن تعلم أنها بهذه الحركة ازدادت الأمر سوءً، بدء يصف " صبا"  عيناها وطريقة التي حتى الآن لايعرف لونهما الحقيقي فهي تتبدل على حسب حالتها المزجية،  لم يستطع " بيجاد" كل هذا وقف عن المقعد وقال بغضبٍ مكتوم

- ما تحترم نفسك بقى أنا ساكت لك من الصبح

 

هرعت " رُبى" تجاه باب الشقة، كان " نوح" يظن أنها سوف تستدعي والدها لكنهزتفاجئ بها توصد الباب حتى لا يصل إليهم صوت شاجراهم، عاد ببصره لأخيه محاولًا تهدأت الوضع لكن " بيجاد" كان نفذ صبره تمامًا، وقف " تيم " مدافعًا عن اخته وقال

- ما تتلم يا بيجاد في إيه ؟ صهيب مغلطش ما كلنا عارفين موضوع عينها  دا

 

رد " بيجاد" وقال بعصبية

- لا راجل ياض تصدق عجبتني

 

كاد أن يصل إليه " تيم " لكن منعه من ذلك احتضان " مراد" له  وقال بهدوء

- يا جماعة عيب كدا تيتا قعدة وطلبت من ماما وخالتي واخوالي يسبونا عشان نقعد قعدة حلوة بعيد عنهم وعن كلامهم نقوم نزعلها كدا !!

 

أشار " بيجاد" برأسه قائلا بغضب

- مش شايف قلة أدب ابن خالتك، قاعد يتغزل فيها قدامي ولا عامل لي اعتبار

 

رد" نوح" بجدية قائلا

- مش قصده حاجة يا بيجاد هو بس خانه التعبير وبعدين أنت عارف صهيب عايش طول عمره في المانيا والحاجات دي هناك عادي فاكيد قـ

 

قاطعه " بيجاد" قائلا بحدة وصوتٍ مرتفع

- الحاجات دي عنده في المانيا مش هنا يا حبيبي إنما هنا يتربى ويتعلم الأدب بدل اظبطه و اعلمه الادب

 

وثب " صهيب" عن المقعد متجهًا نحو

" بيجاد"   قام بضربه فـ لن يتحمل غلاظة ذاك المجذوب أكثر من ذلك،  سدد له الآخر اللكمات بأخرى مماثلة لها في  السرعة والقوة،

انقسمت الأحفاد لفريقين،  وتحول الوضع لمعركة كبيرة،  أتى على إثرها ابناء ولاء،  وقف " عابد"  يتسائل عن السبب فـ لم يجيب أحدًا،  ليتفاجئ الجميع برد " صبا " وهي توجه حديثها لخطيبها امام الجميع

- بعد أذنك يا بابا وحضرتك طبعًا يا عمي الحياة بيني وبين بيجاد اتقطعت لحد كدا خلاص

 

قامت بنزع خاتم الخطبة من بنصرها ووضعته نصب عيناه،  ثم قالت بنبرة لا تقبل النقاش

- اللي مايعملش لي احترام وسط الناس ويقلل مني يبقى مش باقي عليا فبالتالي مش هابقى عليه

 

رد" نوح" محاولا لملمت الوضع قائلا بمرح

- في  ايه يابت أنتِ غاوية نكد البسي دبلتك ماعندش بنات تقلعها، سوء تفاهم وراح لحاله خلاص

 

سألها والدها قائلا

- في إيه يا صبا وإيه اللي وصل بيجاد للحالة دي ؟

 

أجابه هو بدلًا عنها ليدكر آخر ما تبقى بينهما دون قصد

- الهانم زعلانة اني بقول لصهيب الزم حدودك وأنت بتتكلم معها، بنتك عجبها المرقعة اللي  عملها معلش أصل متربتش في المانيا يا صبا هانم عشان اعجبك

 

بيجاااااد احفظ ادبك وأنت بتكلم عمك

 

أردف" مالك" جملته بصوتٍ مرتفع، بينما أشار " عابد" بيده تجاه أبنائه الثلاصة وقال

- على جوا وماشفش كلب منكم برا الشقة

 

دون مناقشة منهما أو اعتراض على امر ابيهم كانوا ثلاثتهما خارج شقة الجدة،  نظر " عابد"

وقال بإبتسامة واسعة كان شيئا لم يكن

- بنتي وسابت خطيبها عادي وبتحصل في أحسن العائلات احنا هنفضل زي ما احنا اخوات وحبايب

 

تابع بصوتٍ مرتفع قليلًا

- ملوكة اعملي القهوة بسرعة الفجر قرب يا بابا

 

ردت" ملك"  باسمة

- حاضر يا حبيبي

 

جلس " عابد" جوار والدته مربتًا على كفها بحنو وحب ثم قال بهدوء:

- اخبارك إيه ياست الكل

- الحمد لله يا حبيبي

 

داخل غرفة فيروز بمنزل والدتها

 

هوى " صهيب" على حافة الفراش إثر دفعة والدته القوية له، اتكأء بمرفقه عليه وعيناه تتطاير منها الغضب الشديد،  بينما هي هدرت بصوتها وقالت:

- عمال تتغزل في البت قدام خطيبها وأنت عارف إن بيتنيل على دماغه يغيير عليها تقوم تزودها بكلامك وتخليها ترمي الدبلة في وشه !!

 

رد بصوته العال قائلا

- هو اللي متخلف انا بتكلم عادي هو اللي مش طايق نفسه أصلًا !

 

كزت" فيروز" على اسنانها وقالت بنبرة مغتاظة:

- اخرس خالص كفاية لحد كدا، لم نفسك شوية احنا في مصر م المانيا ومش اي حد هيتقبل كلامك دا وقلت لك مليون مرة اعمل حدود مع بنات العيلة مثر غير المانيا يا صهيب المجاملات اللي بتعملها هناك م هتمشي هنا

 

نهض " صهيب " من على الفراش بعنف قابصًا على معطفه بقوةً متجهًا نحو باب الغرفة وهو يقول بغضبٍ

- أنا اللي هامشي من البيت المتخلف دا، وم هرجع هنا تاني سلام

 

صهيب أنت يا واد ياصهيب خد هنا

 

أردفت " فيروز" عبارتها بصوتٍ جاهدت في ألا يرتفع حتى لا يصل إلى مسامع الجميع، خرجت خلفه بخطواتها الواسعة والسريعة، لم تلحق به كادت أن تسقط ولكن لحق بها "نوح"

ربتت على كفه وقالت بخفوت

- الحق صهيب يانوح انا مش عارفة ممكن يروح فين دلوقتي

 

في إيه يا فيروز ؟

 

سألها " عابد" وعيناه معلقتان على باب الشقة

التفتت له وقالت بإبتسامة متكلفة

- مافيش يا حبيبي !ا أنا كنت بسأل نوح على حاجه كدا

 

تركها قبل أن يسأله عمه ويبتعد " صهيب " اكثر من ذلك، سار اكثر من خمس دقائق حتى عثر عليه استوقفه قبل أن يستقل سيارته وقال

- اهدأ يا ابني مش كدا، عمتي مش قصدها حاجة

- سبني من فضلك يا نوح أنا مش طايق نفسي

- طب بس اهدأ وتعال معايا نتمشى شوية مش هنروح

- نوح أنا مخنوق ارجوك سبني

- طب هتروح فين ؟

- هروح لـ تيتا مريم هقعد هناك

- طب سيب عربيتك وتعال انا هوصلك

 

رد " صهيب " بنفاذ صبر قائلا:

- وهتفرق في إيه يعني !!

 

ابتسم"نوح" له وقال

- عشان اضمن إنك هترجع لما تهدأ يلا بقى خليني اروح اشوف عيالي

 

سأله " صهيب " بدهشة قائلا:

- أنت متجوز ومخلف يا نوح !!

 

ابتسم له" نوح" مربتًا على كتفه وراح يقول

- تعال وأنت تشوف

 

سار جنبا إلى جنب بهدوء تبادلوا أطراف الحديث حتى وصلا إلى أرض فضاء، اكتشف " صهيب" من معاملة " نوح" له أن صفاته تختلف تماما عن صفات أخيه " بيجاد" كما لمس فيه الإنسانية والرحمة بالحيوانات، جلس على صخرة صغيرة ثم بدأ في فرد الأكياس البلاستيكة على الارض بطريقة مهندمة، اطلق صافيرًا عاليًا لتركض مجموعة من الجرو، جلسوا أسفل قدميه يملسون على جسده بحنو يعبرون عن اشتياقهم له، ردد بهدوء وإبتسامة واسعة

- إنتوا كمان وحشتوني قوي، يلا يلا كلوا على ما اروح اجيب لكم مياه، آسف اتأخرت عليكم النهاردا.

 

ظل " صهيب " يتابع تحركات " نوح" حتى فجأه بذهابه إلى أحد الأركان وعاد حاملا جرو صغير بين يده محدثًا إياه قائلا

- عامل إيه دلوقت يا صغنن، الصبح مرضت تأكل ودلوقتي مش هتأكل بردو ؟! يلا يلا أنت بتاخد علاج ماينفعش الدلع بتاعك دا

 

جلس " نوح" متربعًا على الأرض، بدا يطعم الجرو وهو يخبر ابن عمته قائلا بإبتسامته العريضة

- الحمد لله بدا يأكل اهو، كنت قلقان عليه قوي، الدكتور قالي إن المضادات الحيوية اللي بياخدها هتخلي يفقد شهيته يومين وبعدها هيرجع زي الاول واحسن

 

رفع بصره له وقال

- مستغرب ليه ياصهيب ؟

- بصراحة أول مرة اشوف حيوانات بالعدد دا وكمان بيحبوك كدا لأ وأمها سايبك تمسكه عادي في العادي الكلاب والحيوانات عمومًا بتخاف على عيالها

- أمه دي أنا اللي مربيها زيه كدا يعني مطمنة على ابنها معايا، وبعدين الحيوانات وخصوصًا الكلاب من اوفى خلق الله

 

رد بإبتسامة ساخرة

- يمكن أحسن من الإنسان نفسه، لو جبت كلب واديته أكل لمدة 3 ايام اليوم الرابع هيجي هو ويسأل عنك مش عشان اكل لأ عشان حبك وامان ليك

 

ختم حديثه قائلا

- امه اول ماشوفتها في الشارع كانت مضروبة والناس أذيتها جامد اوي، كانت بتخاف تأكل ولا تشرب بقيت اسيب الاكل والمياه وامشي بعيد اطمن إنه بتاكل برجع تاني الصبح قبل ما اروح شغلي اجيب لها الفطار والمياه وفي يوم من الايام كنت راجع متأخر من شغلي جبت لها الاكل وقعدت جنبها فجاة نمت مش عارف ازاي  قمت بعدها بساعتين لاقيتها قعدة جنبي وتحت رجلي تعبان ميت

 

اتسعت أعين " صهيب" عن آخرها قائلا بدهشه

- كان في تعبان عاوز يأذيك ؟

- اه بس الحمد لله ربنا سترها وهي قتـ لته من الآخر ياصهيب الخير عمره مابيروح، والزرعة اللي بتزرعها بتحصدها زرعت خير، هتحصده زرعت شر هتحصده وانا الحمد لله بحاول اعمل كدا مع الإنسان والحيوان وكل اللي الخير اللي عملته مع الحيوان بيرجع لي

 

ختم حديثه قائلا بحزنٍ

- أما الإنسان فـ مابشوفش منه غير الحقـ د والكره وبس !!

 

سأله "صهيب" بعدم فهم قائلا

- قصدك إيه ؟

 

أجابه بجدية مصطنعه

- مش قصدي حاجة سيبك مني ويلا نرجع بقى عشان اتأخرنا والنهار قرب يطلع

 

في عصر اليوم التالي

 

جلس " مالك" على حافة الفراش محاولا أن يوقظ ابنه وقال بخفوت

- نوح، نوح قوم أنا عاوزك

 

فتح " نوح" عيناه بأعجوبة وقال بنعاس

- خير يابابا في إيه ؟! هي المغرب أذنت ؟!

-لا قوم كدا واتعدل لي وقل لي ازاي خالك عاكف يطردك وأنا معرفش ؟ لأ وكمان متحول للتحقيق !

 

سأله بضيق قائلا

- هو مين اللي قالك يا بابا ؟ ملك ولا رُبى!

 

رد " مالك بسؤالاآخر على سؤاله قائلا

- يعني أختك وبنت عمك عارفين وأنا آخر من يعلم، اللي قالي خالك بنفسه يابيه وزعلان جدًا من اهمالك الشديد وقالي كسفني وسط الناس .

- بابا من فضلك مش عاوز افتح في الموضوع دا عشان لا هيقدم ولا هيأخر في حاجة أنا مطرود واللي كان كان خلاص

- لأ مش خلاص  كلمني وقل لي  إيه اللي حصل عاوز افهم مامتك قالبة الدنيا ومش عارف اديها بإيه ومش عاوزها تقع مع خالك في مشاكل .

 

نظر " نوح" لوالده ولم ينبث ببنت شفه، ربت على ظهر يد ابنه وقال بحنو وحب

- قول يا نوح متقلقش انا ابوك مش حد غريب

يعني سترك وغطاك لو في حاجة مش عاوز تقولها لحد قولها لي أنا وأنا اوعدك اتعامل مع الموضوع بهدوء

 

مازال " نوح" على وضعه محتفظًا بما حدث له بداخله، تنهد والده بعمق وقال

- طب أنت معاك فلوس ؟

 

رد " نوح" بكذب وقال:

-اه يا بابا معايا الحمد لله

 

وقف والده عن حافة الفراش وقال بجدية

- طب أنا مش عاوز اضغط عليك أكتر من كدا حسابك في البنك زي ما هو بقاله 4 سنين لو محتاج منه حاجة اسحب وخد انا مش عارف ليه مش عاوز تقرب له هي فلوس يعني ماهي فلوسك !!

- يا بابا أنا بحب اعتمد على نفسي ومش محتاج حاجة للفلوس الحمد لله على العموم لو احتاجت ابقى اسحب منه حاضر

- كل مرة بتقول كدا وفي الآخر بتعمل اللي في دماغك عموما براحتك .

 

خرج " مالك" تاركًا ابنه يحاول أن يحصل على النوم من جديد لكنه لم يستطع فعلها بعد أن تذكر ذاك اليوم اللعين، رمى الدثار عن جسده وغادر الغرفة متجهًا نحو المطبخ بدا يمازح عماته بحديثه الساخر، حتى جاءت ابنة عمته وقالت بإبتسامتها الواسعة التي يعرفها جيدًا

- نوح ابن خالي الغالي اللي مافيش منه في الدنيا دي

- ادخلي في الموضوع على طول يا تولين

- بيعجبني فيك ذكائك الخارق، عموما في حاجة كدا عاوزة اعرضها عليك ولورضيت بيها  هنفذها معاك وحالًا

- قولي

- إيه رأيك نعمل إعادة تدوير للعفش القديم يعني نخلي قديم اه بس بلمسة عصرية بما إن تيتا مش راضية تغير اوضتها

- موافق جدًا قولي لي ازاي وفين ؟!

 

ردت"تولين"  ضاحكة  وراحت تقول

- براحة يا نوح تعال نطلع السطح اوريك عملت إيه من الصبح واخليك تكمل اللي معرفتش اعمله

 

خرجا سويًا من شقة الجدة، القت التحبة على " رُبى" ظنًا منها أنها " صبا" لتردد مصححة بتأفف

-أنا رُبى مش صبا

- عموما صباح الخير

- قصدك مساء الخير فاضل علـ ....

 

كادت تكمل حديثها لكنها لم تعيرها أي اهتمام

تابعت صعودها حتى سطح المنزل، وقف

" نوح" يشاهد التغير المفاجئ بأعين ذاهلة

ظل يتفقد كل قطعة موجودة على سطح المنزل وقال بسعادة

- أنتِ كنز بجد يا تولين تسلم افكارك الأوضة احلى من الأول مليون مرة دي تيتا هتفرح اوي

- اي خدمة ياعم ولسه لما تكمل وكملن لما الشقة تتدهن بالدهانات اللي في دماغي هتخلي الشقة في ختة تانية خاااالص

 

تابعت بجدية قائلة

- المهم دلوقتي لسه فاضل ساعتين على الآذان تعال نستغلهم ونلخص اللي فاضل من الاوضة ولا أنت مشغول

- لا أنا فاضي ماعنديش حاجة تعالي نخلصهم

 

 

داخل شقة الجدة وتحديدًا الردهة كانت

" فيروز" جالسة تسرد بعض الخلافات البسيطة بينها وبين زوجها.وعن طريقة الصُلح الذي كا يبتكر فيها في كل مرة، كانت تُعد السلطة الخضراء وقالت:

 

في يوم بقى سلطان قالي بلاش يافيروز تنزلي مصر لوحدك عشان انا قلبي مش بيطمن غير لما اكون معاكِ اتخنقت معاه وقلت له ليه هو أنا عيلة صغيرة قالي لا بس انتِ كل ما تنزلي لوحدك بتعملي مشاكل بسبب الوزن الزيادة اللي بتاخدي معاكِ وبفضل اقل لك نشحن اي حاجة عاوزة تنزيلها مصر وانتِ تقولي لا

المهم كلمة مني على كلمة منه عملنا خناقة وانا زعلت منه وجيت على هنا وهو راح عنده أمه

طبعا أمي عرفت ووقفت في صفه وامه وقفت في صفي وكل واحدة منهم قالت لو عند كرامة روح قول حقك عليا طبعا كنت بسمع كلامه امه وبتسقوى عليه الصراحة صراحة ربنا أنا مرمطته كتير المهم بعد يومين مين فين يروح للتاني جت أمه تتخانق مع امي عشان جاية في صفه

 

وبعدين يا عمتو ايه اللي حصل ؟

غمز لي بعينه عشان اروح له في البلكونة

ورحتي ؟

لأ طبعا هو انا معدومة الكرامة ولا ايه

جدعة يا عمتو

نزلت وركبت العربية

وبعدين ايه اللي حصل

قالي تعالي نغير جو في الغردقة ولا شرم ونبعد عن المشاكل دي ايه رأيك ؟

قلت له اطلع على العين السخنة وربنا يبعد عننا يا ابني المشاكل

 

وتيتا ولاء عملت ايه  لما عرفت

في الريحة والجاية تلقح عليه بالكلام وتقول المهزأ راح المهزأ جه

 

طب تيتا مريم عملت لك ايه ؟

قالت لي يا معدومة الكرامة ضحك عليكِ بفسحة في العين السخنة

قلت لها الواد قدم فروض الولاء والطاعة وابنك الصراحة يتحب يا مريم وانا وهو ملناش إلا بعض صراحة ربنا ابنك غلبان ومايستهلش مني كدا ابدا

ردت وقالت لي قولي لي يا فيروز هياخدك على الغردقة المرة الجاية ولا ايه

قلت لها قالي هنروح اسوان عشان كدا بتقي شر المشاكل وبقول الطيب احسن لحد مانروح ونرجع هو انا هستحمله بشعره الطويل دا لله وللوطن  قالت امشي يا مهزأة أنتِ واللي اتجوزك وعلمك البرود ولحد دلوقتي بتقولي يا مهزأة وبتقول لصهيب اوعي تطلع لامك

قالها لا متقلقيش انا طالع لبابا قالت له معدوم الكرامة زيه والواد لحد دلوقتي مايعرفش الحوار علي ايه وهايموت ويعرف بس انا مبحبش اطلع الاسرار العسكرية دي لحد

 

انغمز ثلاثتهن في ضحكاتهن، ما إن ختمت

" فيروز"  عباراته الطويلة، كانت الجدة تقرأ وردها اليومي، ختمته ما إن انتهت ابنتها من سرد تفاصيل خلافات مع زوجها، اغلقت الكتاب وقالت مدافعة عن زوج ابنتها

- أنا اللي غلطانة إني جوزتك واحد زيه، والله دا واد زي حتة السكرة، خسارة فيكِ

 

ردت" فيروز" بدهشة وذهول قائلة

- بقى سلطان خسارة فيا يا ماما

- اه خسارة فيكِ والله لاجوزه ست ستك

 

الله أكبر تيتا حنت عليا وهتجوزني، يلا تيتا انا جاهزة اهو وديني بقى على بيت حبيبي

 

أردفت " صبا" عبارتها وهي تصفق بيدها ثم جلست على المقعد جوار جدتها تقبلها لترضى عنها وتزوجها " سلطان البغدادي"

 

ردت فيروز بعتابٍ قائلة

- مكنش العشم يا امي بدل ما تقفي مع بنتك عاوزة تجوزي جوزي عليا

- اه اجوزه وارقص في فرحه كمان دا غلبان يجي في جبروتك وقوتك إيه هو يا مفترية عليكِ ربنا

- جوزيه يا تيتا جوزيه وأنا هعوضه عن أيام الشقى دي

- شايفة بنتك يا وتين عاوزة تبقى ضُرتي !!

- دي بتهزر يا فيروز بقى معقول تعملها يعني

- يا ماما دا سلطان البغدادي فاهمين يا ناس يا إيه سلطان البغدادي

 

ردت " فيروز" وهي تلوح بيدها المقبضةعلى السكيـ ن وقالت بجدية مصطنعة

- يعني جوزي وكمان مرة جوزي ومرة تالتة نأكد عليها جوزي وابو ابني واللي يفكر يدخل بنا هخلي أيامه شبه البيچامة السودا اللي لبساها دي يا بنت اخويا فهمتي ولا ....

 

السلام عليكم وكل سنة وإنتوا طيبين

 

قاطع حديثه وتهديداتها الصارمة من وجهة نظرها صوت زوجها، وهو يلج بهيبته وكامل أناقته انقبض قلبها لرؤيته بسلام اخيرًا، مازال يسيطر على قلبها على الرغم من خصامهم، تتدافعتا الفتيات لاحتضانه واستقباله بحفوة وحب، صافحهن ثم ولج متجهًا حيث تجلس " "ولاء" مال بجذعه قليلا ليطبع قبلته على ظهر يدها وقال بإشتياق

- وحشتيني يا أحلى حاجة في مصر

 

ربتت على ظهره بحنانٍ بالغ ثم قالت بسعادة

- اهو كدا بجد رمضان جانا فعلا .

 

وقف " سلطان" عن الأريكة مصافحًا باقِ أفراد العائلة حتي توقف عند زوجته، نظر لها طويلًا وقبل أن يحدثها تبادل العناق في آنٍ واحد، ضمها بقوةً تكاد تجزم أنه كاد أن يضعه بين أضلعه، همس بجانب أذنها وقال بإشتياقٍ جارف

- وحشتيني

 

ترد له بذات النبرة قائلة

- أنت أكتر

 

في الطابق الأعلى وتحديدًا سطح المنزل  كانت هناك مشاجرة بين " رُبى وتولين "

توسطهما "نوح " ليبعد كلاهما عن بعضهما نزعت " رُبى" يد نوح الممتدة عن آخرها لتحجبها عن تلك البغيضة بالنسبة لها، اغتاظت من هدوئها لفت حول نفسها ثم اتجهت نحو الأثاث الذي كاد أن يتنهي لتتدمره بيدها وقالت

- اهوووو

 

نظر " نوح" للاثاث وقال بعتذار

 

خلاص يا تولين متزعليش حقك عليا رُبى ماتقصدش

 

لا اقصد  وحسك عينك أبقى بتكلم مع نوح وتتكلمي معاه

 

أنتِ مجنونة يا بنتي هو جوزك وأنا معرفش !!

 

تولين انزلي دلوقتي معلش عشان خاطري

 

حاضر يا نوح عشان خاطرك

 

اقسم بالله يا نوح لو كلمتها وانا واقفة مرة تانية لا قتـ لك

 

بطلي جنانك بقى في ايه مالك ؟

متكلمهاش وانا واقفة فااااهم

لا مش فاهم و بطلي تحكماتك دي روحي اتحكمي في خطيبك هو اولي بالغيرة المجنونة بتاعتك دي

 

هددته قائلة بغضبٍ جم

- متتكلمش معاها قدامي لما ابقى بتكلم معاك تسيب الدنيا كلها وتكلمني فااااهم

 

رد غاضبًا بذات النبرة وقال

- لا مش فاهم ولا عاوز افهم، في إيه ؟ مالك بيا بيركبك عفريت ليه لما بتكلم مع اي بنت بتدمري لي شغلي وحطيت جزمة في بؤقي وسكت عشان عمي ميقلبش خناقة معاكِ. وبتضربي البنت وهي معملتش اي حاجة تضايقك ولا تتضايق اي حد حد في البيت بتدوسي على عليا وعلى كرامتي وبقول عدي ياواد صغيرة وبكرا تعقل، لا بتكبري ولا بتعقلي  ولا بكرا بتاعك بيجي سبيني في حالي يا رٌبى

سبيني بدل ما اقسم بالله ما افضـ حك وماتعرفي ترفعي وشك في وش الناس بالجبروت اللي أنتِ في دا دلوقتي، أنا نوح يا رُبى نوح مش رامي أنا راجل مبقلش على نفسه يكون عبد لوحدة زيك لو كنت بسكت وبعدي مش زي ما أنتِ فاهمة إني واقع في هواكِ ومش عارف ارفض طلب انا بعمل كل اللي بعمله دا كرامة ليعون عمي أما أنتِ فـ ملكيش أي حق عندي أنتِ لا مراتي ولا خطيبتي ولا حتى حبيبتي عشان تغيري عليا

 

هدرت بصوت عالِ قائلة

- كداااب ايوة كداب يانوح كداب وعيناك فضحاك كداب ولازم تقول الحقيقة

 

سألها بغضبٍ

- حقيقة إيه ؟

- انك بتحبني اعررف يا نوح إنك بتحبني

- بردو يا رُبى مش هتكسريني وانا مبحبكيش واعترفي  لنفسك بقى إنك دخلتي معركة خسرانة وقتها بس هترتاحي من حاجات كتيرة اولها أنا

 

تركها تحدثه بصراخ قائلة

- هترجع لي يا نوح هترجع وهتندم وتبكِ بدل الدموع د م وساعتها أنا اللي مش هرضى بيك

خليك فاكر دا كويس يا نـــوووح مش رُبى اللي تخسر ابدًا وبكرا هفكرك كويس مين هي رُبى عابد المحمدي

 

يتبع