الحاج منصور

موقع سورس التطبيقات مدونة التقنية والتطبيقات

كان الناس في القرية ينادونه “الحاج منصور”،

رجل وقور، يملك أكبر متجر للأقمشة في البلدة، لا يرد محتاجًا، ولا يترك فقيرًا إلا وأكرمه.

لكن رغم المال والهيبة…

كان قلبه مكسورًا.

 

ثماني عشرة سنة مرت على زواجه من “ليلى”،

ولم يُرزقا بطفل.

 

طرقوا أبواب الأطباء جميعًا،

سافروا إلى القاهرة والإسكندرية،

ثم إلى تركيا وألمانيا،

لكن كل مرة يعودان بنفس الجملة القاسية:

 

“الأمل ضعيف جدًا…”

 

كانت زوجته تبكي ليلًا بصمت،

وتتظاهر بالقوة نهارًا.

أما هو، فكان يهرب من وجعها بالعمل.

 

وفي أحد أيام الشتاء، اضطر للسفر إلى مدينة بعيدة ليشتري بضاعة جديدة لمتجره.

استقل الحافلة ليلًا، وجلس قرب النافذة شارد الذهن.

 

توقفت الحافلة في منتصف الطريق ليستريح الركاب.

نزل الجميع تقريبًا، إلا رجل عجوز جلس في الخلف، يقرأ القرآن بصوت خافت.

 

لم يهتم منصور في البداية،

لكن الغريب أن صوته كان يبعث راحة عجيبة في القلب.

 

عاد الركاب، وتحركت الحافلة،

ثم فجأة… انطفأت الأنوار بسبب عطل كهربائي.

 

ساد الظلام، وبدأ الناس يتذمرون،

بينما بقي العجوز هادئًا يردد:

 

“سيجعل الله بعد عسرٍ يُسرًا…”

 

لا يعرف لماذا،

لكن منصور شعر برغبة أن يقترب منه.

 

جلس بجواره وقال: — يبدو أنك مطمئن جدًا يا عم.

 

ابتسم العجوز وقال: — لأنني أعرف أن تدبير الله دائمًا أجمل من خوفنا.

 

هز منصور رأسه باقتضاب، ثم قال ساخرًا: — وهل تعرف أيضًا ما الذي يخفيه قلبي؟

 

نظر إليه العجوز طويلًا، ثم قال بهدوء: — نعم…

وجع السنين التي تنتظر فيها طفلًا.

 

تجمد الدم في عروق منصور.

 

لم يخبر أحدًا في الحافلة بشيء.

حتى ملامحه كانت جامدة دائمًا.

 

قال مرتبكًا: — من أخبرك؟

 

رد العجوز: — ليس كل شيء يحتاج إلى مَن يخبر.

 

ثم أكمل: — زوجتك قامت قبل سفرك بساعة، وصلت ركعتين في المطبخ حتى لا تراك تبكي…

ودعت الله أن يرزقها طفلًا قبل أن تموت.

 

شعر منصور أن الأرض تميد تحته.

 

كان هذا المشهد حقيقيًا…

وقد حدث فعلًا.

 

جلس صامتًا، لا يقوى على الكلام،

ثم همس: — من أنت؟

 

ابتسم العجوز وقال: — مجرد عبد عرف أن الأبواب المغلقة عند الناس… مفتوحة عند الله.

 

طوال الطريق، لم يستطع منصور أن يبعد عينيه عنه.

 

وعندما وصلت الحافلة، نزل الركاب جميعًا،

لكن العجوز أمسك بذراعه قبل أن يرحل وقال:

 

— عندما تعود إلى بيتك… اشترِ سرير طفل.

 

ارتبك منصور وقال: — لكن…

 

قاطعه العجوز مبتسمًا: — لا تُجادل رزقًا كتبه الله.

 

ثم اختفى وسط الزحام.

 

عاد منصور إلى مدينته،

وظل كلام الرجل يطارده أيامًا.

 

وفي ليلة، دخلت عليه زوجته وهي تبكي وترتجف،

ناولته ورقة التحاليل بيد مرتعشة وقالت:

 

— منصور… أنا حامل.

 

لم يصدق.

 

ظل ينظر إليها طويلًا، ثم انفجر باكيًا كطفل صغير.

 

وبعد أشهر…

رزقهما الله بطفلة جميلة.

 

وفي أول يوم دخلت فيه البيت،

تذكر كلام العجوز.

 

فتح المخزن القديم،

وأخرج سرير الطفل الذي اشتراه سرًا بعد عودته من السفر…

 

وظل يبكي وهو يردّد:

 

“ما خاب قلبٌ علّق رجاءه بالله…”